يستدعي أن يخوّف هؤلاء ويبشر هؤلاء وإنما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أو عالم كل عصر أو كل أحد يقدر على البشارة بأن يبشرهم ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة تفخيما لشأنهم وإيذانا بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنؤوا بما أعدّ لهم وقرىء وبشر على البناء
شرح
وغيره مما يليق بمقامه فإن كان الضمير موضوعا لجزئيّ بوضع كليّ كما ارتضاه المحققون فهو مجاز والأفقي كونه حقيقة أو مجازا كلام ليس هذا محله وعلى العموم فهو كل من يقوم مقامه من العلماء أو كل من يقدر عليه من أمته ، ويوافقه قراءة بشر مجهولا ولما خاطب الكفار بالإنذار بقوله :وَاتَّقُوا *ولم يخاطب المؤمنين بالبشارة وجه بأنه لتفخيم شأنهم فإنّ من حدث له ما يسرّه قد ينادي لإعلامه وقد يرسل إليه الخبر والثاني فيه تعظيم له كما لا يخفى ومن قال إنه لتغيير الأسلوب لم يأت بشيء ، وأمّا كونهم أحقاء بالبشارة فالظاهر أنه على التعميم ويحتمل تخصيصه لأنّ من بشره مثل البشير النذير حقيق بذلك لأنه لا يبشر من لا يستحق لا سيما والآمر له ربّ الأرباب ويحتمل أنه أنذرهم لعدم قبولهم ذلك من الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بخلاف غيرهم من المصدّقين المذعنين للحق ثم إنّ النكات لا تتزاحم كما قيل فاقسم لكلّ محل ما يليق به فإنّ للزند حليا ليس للعنق فقد يكون الخطاب تعظيما كتخصيص الرئيس بعض جلساته بالخطاب وقد يكون تحقيرا ولذا عدّ خطاب الملوك من ترك الأدب فلا وجه لما قيل من أنّ اللّه إذا خاطبهم بالبشارة كان التعظيم فيه أقوى والإيذان بأنهم أحقاء بأن يبشروا أظهر ، والمصنف رحمه اللّه غير عبارة الكشاف فوقع فيما وقع . قوله : ( وإيذانا بأنهم أحقاء الخ ) الإيذان الإعلام والأحقاء بالمدّ جمع حقيق بمعنى قويّ الاستحقاق وجدير به ويهنؤوا مضارع مجهول من هنأه بكذا والمراد به هنا البشارة أيضا وهي في العرف قول دالّ على أن ما سرّه قد سرّه كالتهنئة بالأعياد والأولاد كما في قول المتنبي :إنما التهنئات للأكفاءوقوله : فيكون استئنافا عينه لأنه لا يصح غيره أو لا يظهر كالحالية وهو استئناف نحويّ وقيل بيانيّ بتقدير سؤالين أي لمن أعدّت وما أعدّ لغيرهم وهو تكلف لا حاجة إليه وأمّا كون الواو استئنافية في هذا أو فيما قبله فلا وجه له وقيل : توجيه العطف أن يجعل وبشر الذين الخ بمعنى أعدّت الجنة للمؤمنين ، والأولى أنه خبر بمعنى الأمر لتتوافق القراءتان ولا حاجة داعية لما ادّعاه . فإن قلت الإيذان بكونهم أحقاء بما ذكر إنما حصل بتوصيف المبشرين بالإيمان والعمل الصالح والخطاب بالبشارة لا ينافي ذلك التوصيف « 1 » قلت : أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ببشارة من اتصف بما ذكر يدلّ على تحقق تلك الصفة فيهم وكونهم أحقاء بذلك حينئذ أظهر . قوله :
( والبشارة الخبر السارّ الخ ) هذا هو الصحيح وقيل : إنها في اللغة مطلق الخبر لكنها غلبت في الخبر وقال الراغب : البشرة ظاهر الجلود والأدمة باطنه وفي كلام ابن قتيبة عكسه وتبعه بعض اللغويين وبشرته أخبرته بسارّ بسط وجهه ، وذلك أنّ النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار