والمقصود عطف حال من آمن بالقرآن العظيم ووصف ثوابه على حال من كفر به وكيفية عقابه على ما جرت به العادة الإلهية من أن يشفع الترغيب بالترهيب تنشيطا لاكتساب ما ينجي وتثبيطا عن اقتراف ما يردي لا عطف الفعل نفسه حتى يجب أن يطلب له ما يشاء كله
شرح
ولو اعتبر عطف الظاهر وحده لم يكن هناك تناسب ثم إنّ السكاكيّ لم يتعرّض في كتابه لعطف القصة على القصة أصلا فالجامدون على كلامه تحيروا فمنهم من ذهب إلى تقدير معطوف عليه ، ومنهم من أوّل الخبر بالطلب وما ذكر لا غبار عليه ولا اشتباه ، وإنما الاشتباه في مثال الزمخشريّ وهو زيد يعاقب بالقيد والإرهاق ، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق لأنه من عطف جملة على جملة لا قصة على قصة فذهب الفاضل في شرح التلخيص إلى أنّ مراده أنّ القصد فيه إلى عطف مضمون جملة على مضمون أخرى بقطع النظر عن الإخبارية والإنشائية ، وقال إنه حسن دقيق لكن من يشترط اتفاق الجملتين خبرا وإنشاء لا يسلم صحته ولم يرتض به الشريف المرتضي وشنع عليه وقال : إنما أشار بما ذكر إلى قصتين متقابلتين فكأنه قال زيد يعاقب بالقيد والإرهاق فما أسوأ حاله وما أخسره فقد ابتلي ببلية كبرى وأحاطت به سيئاته إلى غير ذلك مما يناسبه وبشر عمرا بالعفو والإطلاق فما أحسن حاله وما أنجاه وما أربحه إلى أشياء أخر مناسبة له ( أقول ) تبع فيما ذكر صاحب الكشف والظاهر من كلام الزمخشريّ خلافه فمراده أن ينظر إلى مضمون الكلام ويقطع النظر عن خواص لفظه في المعطوف والمعطوف عليه ميلا مع المعنى كما قرّره النحاة في نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، وهذا شيء ثالث غير التأويل لأنه في التأويل يجعل الخبر إنشاء وعكسه بضرب من التجوّز ، وهذا باق على حاله وإذا جاز مثله في المفردات فهنا بالطريق الأولى وتمثيله في الكشاف ظاهر فيه ، وأمّا التقدير الذي ارتكبه فيه فبعيد جدّا ولذا قال بعض الفضلاء المتأخرين إنما ذكر المثال شاهدا على دعوى فيها غرابة فينبغي أن يراعي فيها مطابقته لمقصوده حتى لا يبقى للخصم مجال وهم فلا ينبغي حذف بعض الجمل مع أنّ ملاك الأمر كثرتها كما اعترف به فإن قلت لو جوّزنا هذا لزم صحة العطف في كل خبر وإنشاء ولا قائل به لأنّ كل كلام يجوز قطع النظر عن خصوصه قلت لو التزم هذا لا محذور فيه مع أنه قد يقال لا بدّ له من اقتضاء المقام وكون المتكلم بليغا يلمح خلاف مقتضى الظاهر ووقع في بعض شروح الكشاف تسمية هذا بالعطف المعنوي . قوله : ( والمقصود عطف حال من آمن الخ ) هذا مبين لأنّ المراد بالجملة في كلامه معناها اللغويّ وهو المجموع لا ما اصطلح عليه النحاة ، والمراد بالفعل أيضا في قوله لا عطف الفعل الفعل مع فاعله فإنه يطلق كثيرا على الجملة الفعلية خصوصا إذا كان الفاعل ضميرا مستترا وأمّا كونه حينئذ مجازا والتأكيد بنفسه يأباه فإنما يراعي مثله في كلام البلغاء على أنه غير مسلم كما سيأتي بيانه في تفسير قوله تعالى :وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً[ سورة النساء ، الآية : 164 ] والتثبيط المنع والتعويق ، والاقتراف الاكتساب ويردي بمعنى يهلك والردي الهلاك والتنشيط التحريك والتحريض وهو ناظر للترغيب