وقيل من دون اللّه أي من دون أوليائه يعني فصحاء العرب ووجوه المشاهد ليشهدوا لكم أنما أتيتم به مثله فإنّ العاقل لا يرضى لنفسه أن يشهد بصحة ما اتضح فساده وبان اختلاله
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أنه من كلام البشر وجوابه محذوف دلّ عليه ما قبله والصدق الاخبار
شرح
شرح الشريف هنا تبعا لغيره من الشراح من أنه يصف الزجاجة بغاية الصفاء وأنها تريك القذى قدّامها والحال أنها قدّام القذى والضمير في ذاقها باعتبار ما فيها على قياس قولك شربت كأسا والأوّل باعتبار نفسها حذوا فيه حذوا لكشف وهو تبع الأزهري في قوله : لا يريد أنّ هنالك قذى وإنما يريد أن يصف صفاء الزجاجة ويبالغ فيه وعليه ففيه تجوّزوا استخدام لطيف لكن يأباه أنه لم يسبق للزجاجة ذكر في هذا الشعر ، وإنما الضمير فيهما للصهباء بمعنى الخمر وهو وصف لها أيضا بغاية الرقة والصفاء حتى كان ما تحتها فوقها وما خلفها قدّامها والتبكيت التقريع والغلبة بالحجة وقريب منه ما قيل إنه الإسكات والتهكم الاستهزاء وهو المراد وله معان أخر وهو في قول الحماسي :سرى الليلة الظلماء لم يتهكمبمعنى لم يخطئ والتهكم في غير هذا التندّم وقيل معنى لم يتهكم لم يتميز عليهم والتهكم التكذب على ما فصل في شروح الحماسة وقد مرّ بيان ما هنا فتذكر . قوله : ( وقيل من دون اللّه الخ ) بتقدير مضاف ليقابل أولياء الأصنام كما يقابل اللّه أصنامهم والأمر كما مرّ لإرخاء العنان والاستدراج إلى غاية التبكيت أي تركنا إلزامكم بشهداء لا يميلون لأحد الجانبين كما هو العادة واكتفينا بشهدائكم المعروفين بمعاونتكم من الفصحاء والرؤساء فإن شهدوا لكم قبلنا شهادتهم مع أنهم لا يفعلون ما يشهد العقل بخلافه لبلوغ أمر الإعجاز إلى حد لا يخفى فالشهداء بمعنى الرؤساء وهو ناظر لتفسيره بالإمام والظرف حاله معلوم والوجوه مستعار من الجارحة للرؤساء والمشاهد جمع مشهد وهو المجلس الذي يشهده الناس ويحضره الكبار . قيل ولما لم تقم قرينة على هذا التقدير ولا ضرورة فيه ضعفه المصنف رحمه اللّه تعالى وقيل : لأنه يؤذن بعدم شمول التحدّي لأولئك الرؤساء وليس بشيء ، وقد قيل أنّ تخصيص التمريض بهذا الوجه مع ظهور ضعف غيره من الوجوه لا وجه له وهذا الوجه مشترك بين التعلق بادعوا وبالشهداء عند الزمخشريّ وبما قصصناه عرفت استيفاء المصنف لجميع الوجوه وأن قيل إنه ترك سادسها فتنبه . قوله : ( إنه من كلام البشر الخ ) أي في أنه والجار يطرد تقديره مع أنّ وأن كما لا يخفى أي إن كنتم صادقين في أنه من كلام البشر أو في أنكم تقدرون على معارضته فافعلوا أو فأتوا بمقدار أقصر سورة منه وهذا معنى قوله إنّ جواب أن الشرطية محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو جواب الشرط الأوّل وليس الجواب المقدّم جوابا لهما ولا متنازعا فيه كما لا يخفى وذكر التنازع هنا لغو من القول . فإن قلت لم يذكر فيما سبق ادّعاؤهم أنه من كلام البشر بل ارتيابهم وشكهم فيه والشك من قبيل التصوّر الذي لا يجري فيه صدق وكذب بلا شك