فعليكم رهان أو فليؤخذ رهان وليس هذا التعليق لاشتراط السفر في الارتهان كما ظنه مجاهد والضحاك لأنه عليه الصلاة والسلام رهن درعه في المدينة من يهودي على عشرين صاعا من شعير أخذه لأهله بل لإقامة التوثيق للارتهان مقام التوثيق بالكتابة في السفر الذي هو مظنة إعوازها والجمهور على اعتبار القبض فيه غير مالك وقرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن كسقف وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون وقرئ بإسكان الهاء على التخفيف
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
أي بعض الدائنين بعض المديونين واستغنى بأمانته عن الارتهان
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
أي دينه سماه أمانة ائتمانه عليه بترك الارتهان به وقرئ الذي ايتمن بقلب الهمزة ياء والذي اتمن بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
في الخيانة وإنكار الحق وفيه مبالغات
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ
أيها الشهود أو المديونون والشهادة شهادتهم على أنفسهم
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
شرح
ثلاثين صاعا » « 1 » والإعواز الاحتياج وخلاف مالك وغيره في اللزوم وعدمه لا في الصحة ، وثمرة الخلاف تظهر في تقديمه على غيره من الغرماء وغير ذلك قيل : وظاهر النص معه وغير مالك بالنصب على الاستثناء . قوله : ( وهو خطأ الخ ) تبع فيه الكشاف وأهل التصريف حيث قالوا : إنّ الياء الأصلية قبل تاء الافتعال تقلب تاء وتدغم نحو أيتسر وأما الهمزة والياء المنقلبة عنها فلا يجوز فيها ذلك ، وقول الناس أتزر خطأ وهم كلهم مخطئون فيه فإنه مسموع في كلام العرب كثيرا وقد نقل ابن مالك جوازه لكنه قال إنه مقصور على السماع قال ومنه قراءة ابن محيصن أتمن ونقل الصاغاني أنّ القول بجوازه مذهب الكوفيين ، وقالت عائشة رضي اللّه عنها :
« كان صلى اللّه عليه وسلم يأمرني فأتزر كما في البخاري » « 2 » قال الكرماني رحمه اللّه : فإن قلت لا يجوز الإدغام فيه عند الصرفيين وقد قال في المفصل وقول من قال أتزر خطأ ، قلت قول عائشة وهي من الفصحاء حجة على جوازه فالمخطئ مخطئ ه . قوله : ( وفيه مبالغات الخ ) يحتمل أن يريد في هذه الجملة لأنها تأكيد لسبق اتقوا اللّه وإعادة الجلالة الكريمة والتأكيد وذكر ربه لما فيها من أنه لم يؤدّ دينه لم يخف اللّه ولم يمتثل أمره ، ويحتمل في هذا الكلام لما ذكر ولتسمية الدين أمانة واجبة الأداء ، وقوله : أو المديونون الخ والشهادة شهادتهم على أنفسهم بمعنى إقرارهم بما عليهم ولا يخفى أنه خلاف الظاهر والظاهر أنه خطاب للشهود المؤمنين .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 2069 - 2508 والترمذي 1215 والنسائي 7 / 288 وابن ماجة 2437 وأحمد 3 / 133 208 والبيهقي 6 / 36 - 37 وابن حبان 5938 كلهم من حديث أنس . ولفظ البخاري : ولقد رهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نخبز شعير وإهالة سنخة . ولقد سمعته يقول : « ما أصبح لآل محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا صاع ولا أحسن ، وإنهم لتسع أبيات » .
( 2 ) أخرجه البخاري 300 ومسلم 293 وأبو داود 268 والترمذي 132 والنسائي 1 / 189 وابن ماجة 636 كلهم من حديث عائشة ، ولفظه « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر ثم يباشرها » .