سأل ذلك ليصير علمه عيانا وقيل : لما قال نمروذ أنا أحيي وأميت قال له : إنّ إحياء اللّه بردّ الروح إلى بدنها فقال نمروذ : هل عاينته فلم يقدر أن يقول نعم وانتقل إلى تقرير آخر ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه على الجواب إن سئل عنه مرّة أخرى
قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ
بأني قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة قال له ذلك وقد علم أنه أعرق الناس في الإيمان ليجيب بما أجاب به فيعلم السامعون غرضه
قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
أي بلى آمنت ولكن سألت ذلك لأزيد بصيرة وسكون قلب بمضامّة العيان إلى الوحي والاستدلال
قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ
قيل طاوسا وديكا وغرابا وحمامة ومنهم من ذكر النسر بدل الحمامة وفيه إيماء إلى أنّ إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف
شرح
إلى أن رأي بصرية فإن قلت البصرية تتعدّى بالهمزة لاثنين إلا أنها لا تعلق قلت : كذا قال بعض النحاة إلا أنّ ابن هشام رحمه اللّه ردّه وقال إنه سمع تعليقها كما في هذه الآية فأرني فعل دعاء والياء مفعوله الأول وكيف الخ في محل مفعوله الثاني المعلق عنه وفي شرح التوضيح يجوز كونها علمية ولك أن تقول : إنه ليس من التعليق في شيء وجملة كيف الخ في تأويل مصدر هو المفعول كما قاله ابن مالك رحمه اللّه في قوله تعالى :وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ[ سورة إبراهيم ، الآية : 45 ] وفي الكشاف فإن قلت كيف قال له أو لم تؤمن وهو أثبت الناس إيمانا قلت ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجلية للسامعين وبلى إيجاب لما بعد النفي معناه بلى آمنت ولكن ليطمئن قلبي أي ليزيد سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة لعلم الاستدلال لأنّ علم الضرورة لا يقبل التشكيك ، وأما علم الاستدلال فيقبله اه . والمصنف رحمه اللّه لم يرتض ما ذكره لما فيه من تجويز الشك على الخليل صلى اللّه عليه وسلم ومقامه أعلى من ذلك فقال : إنما أراد المعاينة ليزداد يقينا أو ليخبر به إذا سئل ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم كما في البخاري :
« نحن أحق بالشك من إبراهيم عليه الصلاة والسلام » « 1 » أي نحن لا نشك فإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم أولى وأحرى بعدم الشك ، وفي الانتصاف هنا كلام مخمر غير فطير محصله أنّ سؤاله عليه الصلاة والسلام ليس عن شك لكنه سؤال عن كيفية الإحياء وليس عملها مما يشترط في الإيمان ولذا قطع عرق احتماله في الحديث السابق ، وأمّا قوله : أو لم تؤمن فلأنّ السؤال بكيف قد يستعمل في الشك فأراد تعالى بالسؤال أن يجيب بما يرفع الاحتمال وأمّا قوله ليطمئن قلبي فالمراد يزول عنه الفكر لأنّ العيان وراء البرهان فتأمل وقوله : إنّ إحياء اللّه الخ قيل : عليه هذا إنما يصح لو كان مراد إبراهيم بقوله : ربي الذي يحيي ويميت أنه يرد الروح إلى البدن والظاهر أنه لم يرد بالحياة حياة بعد الموت وإلا لقال يميت ويحيي وليس بشيء لأنّ الكلام في النشر والحشر في مثل هذا المقام لأنه هو الذي تنكره الكفرة لا الحياة الأولى بدليل قوله :انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 3372 - 4537 - 4694 ومسلم 151 - 238 وابن ماجة 4026 والطبري في « جامع البيان » 5974 - 19400 والبغوي 63 « في شرح السنة » كلهم من حديث أبي هريرة .