النوادي وتبرم بمحضره الأمور إذ التركيب للحضور إمّا بالذات أو بالتصوّر ومنه قيل للمقتول في سبيل للّه شهيد لأنه حضر ما كان يرجوه أو الملائكة حضروه ومعنى دون أدنى مكان من
شرح
ولعدم اشتهار وهذا كغيره بينه المصنف رحمه اللّه بقوله وكأنه الخ وليس هذا مخصوصا به لجريانه بعينه في الناصر ، والنوادي بالنون والدال المهملة جمع ناد وهو كالندي المجلس الغاصّ أي الممتلئ بأهله ، والإبرام فصل القضايا على وجه الأحكام وأصله قتل الحبل قتلا قويا ، وقال الراغب : المبرم الذي يلح ويشدّ في الأمر تشبيها له بمبرم الحبل وفي كلام العوام الإبرام يحصل المرام . قوله : ( إذ التركيب للحضور الخ ) الحضور مصدر كالمحضر المعاينة حقيقة أو حكما ، وهذا تعليل لقوله كأنه أو لكون الشهيد بالمعاني السالفة والحضور بالذات والشخص ظاهر كما يقال شهدت كذا إذا كنت عنده وبالتصوّر هو العلم لأنه حصول الصورة أو الصورة الحاصلة عند العقل أو في العقل وهذا كما في قوله :لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ[ سورة آل عمران ، الآية : 70 ] أي تعلمون والشهيد فعيل بمعنى فاعل لأنه حاضر ما كان يرجوه في حياته من السعادة الأبدية أو بمعنى مفعول لأن الحور العين تحضره أو الملائكة تكريما له وتبشيرا بالرضوان كما قال تعالى :تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا[ سورة فصلت ، الآية : 30 ] والمعروف فيه أنه من قتل في حرب الكفار وكانت مقاتلته إعلاء لكلمة اللّه وهو شهيد الدنيا والآخرة « 1 » فإن لم يقاتل لوجه اللّه وقتل فهو شهيد الدنيا ، وأمّا شهيد الآخرة فهو الغريق والمبطون « 2 » ونحوه مما ورد في الحديث ، وتسميته شهيدا لأن له أجره عند اللّه كما فصل في كتب الحديث ، وقوله ومنه الخ من تبعيضية أي مما أخذ من هذه المادّة للدلالة على هذا المعنى وقيل إنها سببية أي لأجل أنّ هذا التركيب للحضور ذاتا أو تصوّرا قيل الخ لأنه حضر ما يرجوه من النعيم فهو من الحضور بمعنى التصوّر أو الملائكة عنده حضور فهو بمعنى مفعول من الحضور الذاتي . قوله : ( ومعنى دون أدنى الخ ) دون يكون ظرف مكان في الأمكنة المتفاوتة والمتقاربة كعند إلا أنه ينبئ عن دنوّ وانحطاط ولذا قيل إنه مقلوب عن الدنوّ كما ذكره الراغب ولا يخرج عن الظرفية إلا نادرا كقوله :ألم تريا أني حميت حقيقتي * وباشرت حدّ الموت والموت دونهابرفع دون ، وإلى ما ذكر من الدنوّ أشار المصنف رحمه اللّه بقوله أدنى مكان كما في الكشاف وغيره فبين دون والدنوّ مناسبة معنوية واشتقاق كبير من غير حاجة لادعاء القلب
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 123 - 2810 - 3126 - 7458 ومسلم 1904 وأبو داود 2517 والترمذي 1646 والنسائي 6 / 23 وابن ماجة 2783 كلهم من حديث أبي موسى الأشعري .
( 2 ) أخرجه البخاري 653 - 720 - 2829 - 5733 ومسلم 1914 والترمذي 1063 . كلهم من حديث أبي هريرة . وهو بلفظ « الشهير خمسة : المبطون ، والمطعون ، والفرق ، وصاحب الهدم ، والشهير » .