وتعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
ولأن ردّه إلى عبدنا يوهم امكان صدوره ممن لم يكن على صفته ولا يلائمه قوله تعالى :
وَادْعُوا
شرح
هو المختار عنده ، والظاهر أنه مجازا أو كناية مبنية على النداء لأنّ الشخص إنما ينادي للحضور ليستعان به ، وفي الأساس دعا بالكتاب استحضره يدعون فيها بفاكهة والمتبادر منه اختصاصه بالمتعدي بالباء ، ويلائمه بهمزة بعد الألف وتبدل ياء كثيرا أي يوافقه ويناسبه وأصله من لأم الصدع والشق في الإناء ونحوه إذا أصلحه ووجه عدم موافقة رجوع الضمير للعبد لما بعده كما قرّره الشراح مما يحتاج إلى فضل تأمّل كما ذكره المدقق في الكشف لأنّ المراد أنه إن أريد دعاء الشهداء للاستعانة بهم في المعارضة إمّا حقيقة كما في الوجه الأخير من الوجوه الستة وإمّا تهكما كما في الوجهين الأولين فلأنه إنما يلائم الأمر بالإتيان بسورة من مثل القرآن لا الأمر بالإتيان بسورة من واحد عربيّ أمّيّ إذ لا معنى للاستمداد بطائفة فيما هو فعل واحد كيف ولو استعين بالشهداء في ذلك لم يكن المأتيّ به ما كان مطلوبا منهم وأمّا إذا أريد به دعاؤهم ليشهدوا لهم بأنّ ما يدعونه حق كما في الوجوه الباقية فلأنّ إضافة الشهداء إليهم إنما تقع موقعها إذا كان الإتيان بالمثل منهم لا من واحد وإلا كانوا شهداء له فحقهم أن يضافوا إليه وإن كان للإضافة إليهم وجه صحة ، ورجوع الضمير للعبد يوهم أنّ دعاءهم الشهداء ليشهدوا بأنّ ذلك الواحد مثل له لا أنّ ما أتى به مثل للمنزل وهذا الإيهام مخل بمتانة المعنى وفخامته ، وترجيح رجوع الضمير للمنزل بهذه الوجوه يقتضي ترجيح كون الظرف صفة للسورة أيضا كما قرّره السيد ، وقد أورد هنا أمور كثيرة لا طائل تحتها كما قيل من أنّ عدم الملاءمة ممنوعة لجواز أن يكون الأوّل طالبا للإتيان بسورة من مثل المنزل إليه والثاني طلبا له من الكلّ على سبيل الترقي ( قلت فيه بحث ) لأنه قد أشير فيما سلف إلى أنّ المراد بالسورة المأتي بها سورة تماثل نظم القرآن لأنه هو المتحدّي به لا غيره سواء رجع الضمير إلى المنزل أو العبد أمّا في الأوّل فظاهر مسلم ، وأمّا في الثاني فلأنه معلوم من السياق وعنوان السورة ناطق به فيكون حينئذ قوله فأتوا بسورة من مثله في الوجه الثاني مشتمل على معناه الأوّل مع زيادة ذكرا لمأتيّ منه ولا يخفى أنّ المأمور بالإتيان على كل حال واحد وإن كان الجميع ظاهرا إلا أنه ليس المراد به ليأت بذلك كل فرد فرد بل أنهم إذا ارتابوا وأتى بمثله واحد منهم بين أظهرهم فكأنهم أتوا به أجمعون فيجوز أن يكون قوله من مثل هذا العبد توسيعا للدائرة كأنه قيل ليأت واحد منكم كائنا من كان بمقدار سورة ما .
وقوله :وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ[ سورة البقرة ، الآية : 23 ] بمعنى احضروا بأجمعكم في وقت الإتيان ليتحقق عجز الجميع والواو لا تقتضي ترتيبا على أنّ الوجوه يجوز توزيعها على الاحتمالين وتعدّيه بالباء كقوله : ائتوني باخ لا يتبادر منه الفعل فهو مؤيد له أيضا فتدبر . قوله :
( فإنه أمر الخ ) أمر بصيغة المصدر مرفوع خبر لأنّ والباء متعلقة به وهو تعليل لعدم الملاءمة