المنزل أوجه لأنه المطابق لقوله تعالى فأتوا بسورة مثله ولسائر آيات التحدّي ولأنّ الكلام فيه لا في المنزل عليه فحقه أن لا ينفك عنه ليتسق الترتيب والنظم ولأن مخاطبة الجم الغفير بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أبناء جلدتهم أبلغ في التحدّي من أن يقال لهم ليأت بنحو ما أتى به هذا آخر مثله ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله سبحانه
شرح
جعل الظرف صفة للسورة والضمير للمنزل ومن بيانية كما عرفت ، ومنها أنّ الكلام فيه لا في المنزل عليه فارتباط آخر الكلام بأوّله وترتب الجزاء على الشرط إنما يحسن كلّ الحسن إذا كان الضمير للمنزل فإنه الذي سيق له الكلام وفرض فيه الارتياب قصدا وذكر القيد وقع تبعا فلذا صح عود الضمير له في الجملة مع أنه لو عاد الضمير له ترك التصريح بمماثلة السورة له في البلاغة وهو عمدة التحدّي وإن فهم من السياق ومعونة المقام ، فسقط ما قيل هنا من أنه إذا رجع الضمير إلى العبد لا ينفك الكلام عن المنزل لأنّ المراد بالعبد العبد المنزل عليه وحاصله كون المنزل بحيث يعجز كلّ من طولب بالإتيان بما يداني سورة من سورة ممن هو على حال من أنزل عليه ولا حاجة إلى ما أجاب به من أنه أراد بالانفكاك انفكاك الضمير فإنّ الضمير المقدّر في صلة الموصول راجع إلى المنزل . قوله : ( ولأنّ مخاطبة الجمّ الفقير الخ ) ووجه الأبلغية ظاهر مما قرّره المصنف لأنّ أمرهم بجملتهم بأن يأتوا بشيء من مثل ما أتى به واحد من جنسهم أبلغ من أمرهم بأن يجدوا واحدا يأتي بمثل ما أتى به رجل آخر ، والجمّ الغفير بمعنى الناس الكثير جدّا من الغفر وهو الستر كأنهم يسترون وجه الأرض لكثرتهم واستعمله المصنف مجرورا بالإضافة والمعروف في كلام العرب استعماله منصوبا على الحال يقولون جاؤوا الجماء الغفير وجاء الغفير أي بجملتهم ، ومثله مما يأباه الأدباء ويعدّونه لحنا كما بيناه في شرح الدرّة ، وفيه لغات مذكورة في القاموس وقوله بنحو الخ إشارة إلى أنّ المثلية ملحوظة فيه وإن رجع الضمير للعبد وكونه من أبناء جلدتهم معناه من جنسهم ونوعهم في البلاغة وأصله أن كلّ نوع متشابه البنية وظاهر البدن وهو المراد بالجلدة كما مرّ ، وقيل إنّ صفة المرء بمنزلة جلده في التلبس والتزيي وليس المقصود أنهم من قوم واحد بحسب النسب فإنه لا دخل له في هذا المقام وفيه نظر . قوله : ( ولأنه معجز في نفسه الخ ) هذا رابع الوجوه في كلام المصنف يعني لو أرجع الضمير إليه أوهم أن إعجازه لكونه من أميّ لم يدرّس ولم يكتب ولم يتعلم من غيره علما ومعرفة ، وقوله ولأنّ ردّه الخ أي ردّ الضمير إلى عبدنا يوهم أنه يمكن صدوره من غيره من الخطباء والشعراء وأهل الدراسة وليس بين هذا وما قبله كثير فرق فالظاهر إدراجه فيه وعدّهما وجها واحدا إلا وجها خامسا كما قيل ، فقوله ولا يلائمه الخ وجه آخر مستقلّ وقد عدّه بعضهم وجها سادسا والأمر فيه سهل . قوله : ( ولا يلائمه قولهوَادْعُوا شُهَداءَكُمْالخ ) ادعوا أمر من الدعاء ، وله معان ذكرها الراغب وهي النداء والتسمية في نحو دعوت ابني محمدا والاستعانة كقوله تعالى :أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ[ سورة الأنعام ، الآية : 40 ] والدعاء إلى الشيء الحث على قصده وقيل إنه فسر هنا بالإحضار والاستعانة والمصنف أشار بقوله استعينوا إلى أنّ الثاني