على ما قبله لأنّ مجموعهما يدل على تفرّده بالعلم الذاتي التامّ الدال على وحدانيته سبحانه وتعالى
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
تصوير لعظمته وتمثيل مجرّد كقوله تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *
والأرض جميعا في قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ولا كرسيّ في الحقيقة ولا قاعد وقيل كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه مأخوذ من كرسي العالم والملك وقيل جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسيا محيط بالسموات السبع لقوله عليه الصلاة والسلام : « ما السماوات السبع والأرضون السبع مع الكرسي إلا كحلقة في فلاة » .
وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ولعله الفلك المشهور بفلك البروج وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد وكأنه المنسوب إلى الكرسي وهو الملبد
وَلا يَؤُدُهُ
ولا يثقله مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج
حِفْظُهُما
أي حفظ السماوات والأرض فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول
وَهُوَ الْعَلِيُّ
المتعالي عن الأنداد والأشباه
الْعَظِيمُ
المستحقر بالإضافة إليه كل ما
شرح
وما سيكون يقال إنه خلفه أي بعده ومغيب عنه ومستور أو على العكس وبينه بأنك تستقبل ما سيأتيك وتستدبر ما مضى وهو ظاهر وإطلاق ما بين أيديهم على أمور الدنيا لأنها حاضرة والحاضر يعبر عنه بذلك وأمور الآخرة مستورة كما يستتر عنك ما خلفك وأما العكس فلأنّ أمور الآخرة مستقبلة وتلك ماضية ، وبقية الوجوه ظاهرة وكذا ما يأخذونه وما يتركونه وإذا رجع الضمير لما فهو تغليب أو للعقلاء في ضمنه فلا تغليب والعلم بما قبلهم وما بعدهم كناية عن علمه بجميع الأشياء هم وما قبلهم وما بعده واعتبره فيما بعده . قوله : ( من معلوماته الخ ) إشارة إلى أنّ هذا مغاير لما قبله ومجموعهما دال على تفرّده العلم لأنّ الأولى تفيد أنه يعلم كل شيء والثانية أنه لا يعلمه غيره ومن كان هكذا فهو الإله لا غيره إذ الإله لا بدّ من اتصافه بصفات الكمال التي من أصولها العلم . قوله : ( تصوير لعظمته وتمثيل الخ ) إشارة إلى أنه استعارة تمثيلية والتخييل نوع من التمثيل إلا أنه تمثيل خاص بكون المشبه به فيه أمرا مفروضا وما يقال :
إنّ التمثيل تشبيه قصة بقصة والتخيل تصوير حقيقة الشيء ليس بشيء ثم إن كان الممثل بجميع أجزائه مفروضا كما نحن فيه وكقولهم لو قيل : للشحم أين تذهب لقال أسوى العوج فهو التمثيل التخييلي وإلا فهو الاستعارة التخييلية التابعة للاستعارة بالكناية واسم التخييل يقع عليهما وسيأتي الكلام على هذا تفصيلا والحاصل أنه استعارة تمثيلية كما في جعل الأرض في قبضته لا كناية إيمائية كما قاله الطيبي رحمه اللّه ، وقوله وقيل : الخ فالكرسي بمعنى العلم مجازا فهو تسمية له بمكانه لأنّ الكرسي مكان العالم الذي فيه العلم فيكون مكانا للعلم بتبعيته لأنّ العرض يتبع المحل في التحيز حتى ذهبوا إلى أنه معنى قيام العرض بالمحل . قوله : ( وقيل : جسم الخ ) هذا هو الذي يدلّ عليه ظاهر الآثار وقوله : ولذلك الخ أي لكونه بمنزلة كرسي يوضع مقابل عرش الملك وعن الحسن رحمه اللّه أنه نفس العرش وتلك البروج معروفة في الهيئة ، والكرسي