تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
الإكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا يحمله عليه ولكن
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
تميز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة ودلت الدلائل على أنّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمدية والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان طلبا للفوز بالسعادة والنجاة ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء وقيل : إخبار في معنى النهي أي لا تكرهوا في الدين وهو إما عام منسوخ بقوله : جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم أو خاص بأهل الكتاب لما روي أنّ أنصاريا كان له ابنان تنصرا قبل المبعث ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال واللّه لا أدعكما حتى تسلما فأبيا فاختصموا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال الأنصاري : يا رسول اللّه أيدخل بعضي النار وأنا أنظر إليه فنزلت فخلاهما
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
بالشيطان أو الأصنام أو كل ما عبد من دون اللّه أو صدّ عن عبادة اللّه تعالى فعلوت من الطغيان قلت عينه ولامه
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
بالتوحيد وتصديق الرسل
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
طلب الإمساك من نفسه بالعروة الوثقى من الحبل الوثيق وهي مستعارة لمتمسك الحق من النظر الصحيح والرأي القويم
لَا انْفِصامَ لَها
لا انقطاع لها يقال فصمته فانفصم إذا كسرته
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
بالأقوال
عَلِيمٌ
بالنيات
شرح
عياض : إنه حجة لمن قال إنّ بعض القرآن قد يفضل على غيره وفيه خلاف فمنعه بعضهم كالأشعري والباقلانيّ وغيرهما لاقتضائه نقض المفضول وكلام اللّه لا نقض فيه فأعظم بمعنى عظيم وأفضل بمعنى فاضل ، وأجازه إسحق بن راهويه وكثير من العلماء والمتكلمين وهو يرجع إلى عظم أجر قارئه والمختار جوازه فيقال : هذه السورة أو الآية أعظم وأفضل أي أكثر ثوابا وإنما كانت هذه الآية أعظم لجمعها أصول أسماء الصفات من الألوهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات . قوله : ( إذ الإكراه في الحقيقة الخ ) يعني أنه خبر باعتبار الحقيقة ونفس الأمر وأما ما يظهر بخلافه فليس إكراها حقيقيا وإن كان بمعنى النهي فهو منسوخ أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية وكانوا عنده عليه الصلاة والسلام كما يدلّ عليه سبب النزول المذكور فلا يرد عليه ما قيل : إنّ قوله جاهد الكفار عامّ لأهل الكتاب وليس كل كتابي ذميّا لا في زماننا ولا في زمانه وأمّا ما روي هنا فالظاهر أنه قبل نزول آية السيف اللهمّ إلا أن يقال : المراد أهل العهد والذمّة فإنه يكتب غالبا والأنصاري من بني سالم بن عوف واسمه حصين وهو مرويّ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . قوله : ( بالطاغوت ) هو في الأصل مبالغة من الطغيان فقلب ووزنه فلعوت قال الجوهري : ويكون واحدا وجمعا وفي قوله الأصنام إشارة إليه ، وقوله : وتصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام لأنه داخل في الإيمان . قوله : ( طلب الإمساك من نفسه ) ولو جعلت زائدة للمبالغة في التمسك وأنه بمعنى تمسك لكان أولى والمصنف رحمه اللّه جعل العروة استعارة تصريحية فيكون استمسك ترشيحا لها وقيل : إنه استعارة أخرى تبعية والزمخشريّ جعله تمثيلا على تشبيه التدين بالدين الحق والثبات على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى من الحبل المحكم