فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
[ سورة المائدة ، الآية : 91 ] فقال عمر انتهينا يا رب والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره سمي بها عصير العنب والتمر إذا اشتدّ وغلى كأنه يخمر العقل كما سمي سكرا لأنه يسكره أي يحجزه وهي حرام مطلقا وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء وقال أبو حنيفة نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر والميسر أيضا مصدر كالوعد سمي به القمار لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره والمعنى يسألونك عن تعاطيهما لقوله :
قُلْ فِيهِما
أي في تعاطيهما
إِثْمٌ كَبِيرٌ
من حيث إنه يؤدّي إلى الانتكاب عن المأمور وارتكاب المحظور وقرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
من كسب المال والطرب والالتذاذ ومصادقة الفتيان وفي الخمر خصوصا تشجيع الجبان وتوفر المروءة وتقوية الطبيعة
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
أي
شرح
الْكافِرُونَوقوله : فشربها الخ لأنهم فهموا من قوله فيهما إثم أنهما يؤدّيان إلى الإثم لا أنهما في أنفسهما أثم فشربها بعضهم اعتمادا على أنه يضبط نفسه عما يؤدّي إليه وتركها آخرون اجتنابا عما يؤدّي إليه واللحى العظم النازل من الرأس إلى الفم ، قيل : والحكمة في نزول هذه الآيات بالتدريج في تحريمها أنهم ألفوها فلو حرّمت عليهم ابتداء لربما شق عليهم ذلك . قوله :
( والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره ) يعني أنّ أصل معنى الخمر الستر فكل مائع يستر العقل خمر حرام قليله وكثيره طبخ أو لم يطبخ ، وهذا مذهب الشافعيّ وكذا السكر بفتحتين من السكر وأصل معناه سد للماء كالجسر وهو يحجب الماء أيضا فهو في معنى الخمر وما نقله عن أبي حنيفة صحيح إلا أنه لا يخصه بما ذكر بل العنب مثله فلا ينبغي التخصيص وحل شربه مخصوص بأن لا يصل إلى حدّ السكر ولا يشرب بقصد اللهو والطرب ، وكيفيته والكلام فيه مفروغ عنه في الفروع وقال بعض أهل اللغة لا يسمى خمرا الإماء العنب النيء إذا غلى بنفسه .
قوله : ( والميسر الخ ) أيضا أي كما أنّ الخمر بحسب الأصل مصدر وفعله أيسر من اليسار لأنه يأخذ ما يأخذه بيسر أي سهولة أو الهمزة فيه للسلب لأنه يسلب اليسار وتفسيره هنا بالقمار مرويّ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وعطاء ومجاهد وغيرهم وهو بيان المراد من الآية حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالكعاب والجوز والنرد والشطرنج والقرعة في غير القسمة كما ذكره الجصاص وجميع أنواع المخاطرة والرهان وأما حقيقته فسهام تجعل في خريطة معلمة بعلامات لبعضها نصيب ولبعضها أكثر وليس لبعضها شيء وكل ذلك من لحم جزور ينحرونها وله تفصيل في شروح الكشاف . قوله : ( إثم كبير من حيث إنه يؤدي الخ ) الانتكاب عن المأمور يعني به اجتنابه ومخالفته وأصل معنى التنكب التنحي يقال :تنكب لا يقطرك الزحاموهو ينون وكاف بعدها باء موحدة يعني أنّ الإثم ليس في ذاتهما بل فيما يؤديان إليه ولذا شربوها بعد نزول هذه الآية كما مرّ وهذا بناء على ما ارتضاه من أنّ هذه الآية لا تدل على