وإنما ذكر عسى لأنّ النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
ما هو خير لكم
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ذلك وفيه دليل على أنّ الأحكام تتبع المصالح الراجحة وإن لم يعرف عينها
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ
روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين ليترصد عيرا لقريش فيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها تجارة الطائف وكان ذلك غرة رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة فقالت قريش استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف ويبذعر فيه الناس إلى معايشهم وشق على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا وردّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العير والأسارى وعن ابن عباس لما نزلت أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغنيمة وهي أوّل غنيمة في الإسلام والسائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعا وتعييرا وقيل أصحاب السرية
قِتالٍ فِيهِ
بدل اشتمال من الشهر
شرح
كراهة حكم اللّه تعالى ومحبة خلافه وهو ينافي كمال التصديق لأنّ معناه كراهة نفس ذلك الفعل ومشقته كوجع الضرب في الحد مع كمال الرضا بالحكم والإذعان ولذا يثاب عليه وإذا كان بمعنى الإكراه وحمل على المكره عليه فهو على التشبيه البليغ كما أشار إليه بقوله : كأنهم الخ وقوله : على المجاز بناء على أنّ التشبيه البليغ مجاز كما ذهب إليه كثير من أهل المعاني وقوله : كقوله الخ تنظير لجميع ما مرّ لأنه قرئ بالفتح والضم ويجري فيها ما يجري هنا وجوّز أن يكون تنظيرا للثاني لظهور المشقة فيه الحمل والوضع ثم إنه قيل : إنّ الظاهر أنّ قوله وهو كره لكم جملة حالية مؤكدة إذ القتال لا ينفك عن الكره ، ويرد عليه أنها لا يجوز اقترانها بالواو فينبغي أن تجعل منتقلة لأنه قد يكون مكروها عند كثرة العدوّ وقد لا يكون وهذا الذي ذكره صرّح ابن مالك لكن قال ابن هشام إن فيه نظرا ، ووجهه كما مرّ أنّ واو الحال بحسب الأصل عاطفة والمؤكد بها يعطف على المؤكد لكنهم نصوا على خلافه في قوله :وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ[ سورة البقرة ، الآية : 30 ] فقالوا : إنها حال مقررة للسؤال فيحمل على أنّ الأصل ذلك وقد يترك لتنزيله منزلة المغاير . قوله : ( وإنما ذكر عسى الخ ) يعني أنه نزل منزلة غير الواقع لأنه في معرض الزوال فلا حاجة إلى أن يقال : إن عسى من اللّه تحقيق وكون أفعاله تعالى تتضمن مصالح وحكما مرّ تحقيقه . قوله : ( روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث الخ ) قلت هذه القصة مذكورة في السير لكن فيما ذكره المصنف رحمه اللّه بعض مخالفة لنقلهم فإنه قال في جمادى الآخرة والذي في سيرة ابن سيد الناس أنه في رجب وأنه لم يرسلهم لقتال وإنما بعثهم ليعلم أمر قريش وأنهم لقوا هؤلاء في آخر يوم من رجب وقالوا لئن تركناهم لقد دخلوا الحرم وإن قاتلنا حينئذ قاتلنا في الأشهر الحرم ثم عزموا على الفتك بهم ففعلوا ما فعلوا قال ابن إسحاق فلما قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام » « 1 » فوقف العير
هامش
( 1 ) أخرجه الواحدي في أسباب النزول 130 - 131 عن الزهري .