تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
مذلة أو لأنهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا وإنما قال والذين اقتوا بعد قوله من الذين آمنوا ليدل على أنهم متقون وأن استعلاءهم للتقوى
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
في الدارين
بِغَيْرِ حِسابٍ
بغير تقدير فيوسع في الدنيا استدراجا تارة وابتلاء أخرى
شرح
( حسنت في أعينهم وأشربت محبتها الخ ) في الكشاف المزين هو الشيطان زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها ، ويجوز أن يكون اللّه قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها أو جعل إمهال المزين تزيينا فجعل المزين هو الشيطان ليكون المسند والإسناد حقيقة أو المزين هو اللّه تعالى بمعنى أنّ خذلانه إياهم صار سببا لاستحسانهم الحياة الدنيا وتزيينها في أعينهم فيكون الإسناد مجازا كما في أقدمني بلدك حق أو بأن يكون التزيين عبارة عن إمهال المزين الحقيقي الذي هو الشيطان فيكون المسند مجارا هنا معنى كلامه فالمزين الحقيقي عنده الشيطان واللّه مزين مجازا والمصنف رحمه اللّه عكس ذلك ورده بعض المحققين المتأخرين فقال : التزيين هو التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل ولهذا جاء في بعض أوصاف الدنيا وأوصاف الآخرة والمزين في الحقيقة هو الشيطان فإنه حسن الدنيا في أعينهم وحببها إليهم ، وقراءة زين معلوما على الإسناد للّه والقاضي أخطأ في المدعي وما أصاب في الدليل ، أمّا الأوّل فلأن التزيين صفة تقوم بالشيطان والفاعل الحقيقي لصفة ما تقوم به تلك الصفة وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة وأمّا الثاني فلأنّ مبناه عدم لفرق بين الفاعل النحوي الذي كلا منافيه والفاعل الكلامي الذي بمعزل عن هذا المقام وهذا كله من عدم التأمل لأنّ اللّه تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضع كقوله :زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ[ سورة النحل ، الآية : 4 ] وفي مواضع إلى الشيطان كقوله :زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ[ سورة الأنفال ، الآية : 48 ] وفي مواضع ذكره غير مسمى فاعله كما هنا فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وإبداعها ذات زينة كما في قوله تعالى :زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ[ سورة الصافات ، الآية : 6 ] فلا شك أنّ فاعله هو اللّه عند النحويين والمتكلمين وإن كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى :لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ[ سورة الحجر ، الآية : 39 ] فلا شك أنّ فاعله عندهما الشيطان وظاهر كلام الراغب أنه حقيقة في هذين المعنيين فحيث فسره الزمخشريّ بالمعنى الثاني تعين أن يكون مجازا إذا أسند إليه تعالى وحقيقة إذا أسند إلى الشيطان ، وحيث فسره المصنف رحمه اللّه بإيجادها حسنة وجعلها محبوبة في قلوبهم لزم العكس وليس هذا مبنيا على الاعتزال كما زعمه صاحب الانتصاف ولا من عدم الفرق بين الفاعل الحقيقي عند أهل العربية وعند المتكلمين فإنّ الفرق بينهما مشهور وتفصيله في حواشي العضد للأبهري لكن يبقى النظر في عدول المصنف رحمه اللّه عن المعنى الذي فسره به الزمخشريّ فإن كان بناء على ما توهمه صاحب الانتصاف ، وهو المتبادر من كلامه فغير وارد وإن كان لمعنى آخر فلينظر وسيأتي لهذا مزيد تفصيل في سورة الأنعام ، وقوله : وأعرضوا عن غيرها هو معنى قول الزمخشريّ لا يريدون غيرها حيث زين لهم بحيث اقتصرت