بجعلها سبب الضلالة وازدياد الرجس أو بالتحريف والتأويل الزائغ
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
من بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها ولذلك قيل تقديره فبدلوها ومن يبدل
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
فيعاقبه أشدّ عقوبة لأنه ارتكب أشدّ جريمة
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا
حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها والمزين على الحقيقة هو اللّه تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله ويدل عليه قراءة زين على البناء للفاعل وكل من الشيطان والقوّة الحيوانية وما خلقه اللّه فيها من الأمور البهيمية والأشياء الشهوية مزين بالعرض
وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
يريد فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب أي يسترذلونهم ويستهزؤون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى ومن للابتداء كأنهم جعلوا مبدأ السخرية منهم
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
لأنهم في عليين وهم في أسفل السافلين أو لأنهم في كرامة وهم في
شرح
قائلا كما آتيناهم وأمّا كلمة كم فمفعول ثان لآتيناهم وليس من الاشتغال كما قال أبو البقاء رحمه اللّه ، ومن آية تمييز على زيادة من وقالوا إذا فصل بين كم ومميزها حسن أن يؤتى بمن الزائدة وإلا فلا وهذا معنى قول المصنف رحمه اللّه للفصل ويحتمل أنه يريد أنه زيد للفصل بين المفعول والتمييز إذا وقع بعد الفعل المتعدّي سواء كانت كم استفهامية أو خبرية وأنكر الرضي زيادة من في مميز الاستفهامية وقال : إنه لم يوجد في كتب العربية ولا في الاستعمال وحمل بعضهم كلام الرضي على ما إذا لم يكن بينهما فاصل وكلام الزمخشريّ وغيره على ما إذا وقع بينهما فاصل وكلام النحاة مخالف له ، قال السمين : في إعرابه يجوز دخول من على مميز كم استفهامية كانت أو خبرية مطلقا أي سواء وليها مميزها أو فصل بينهما بجملة أو ظرف أو جار ومجرور على ما قرّره النحاة اه . وكذا في البحر فما جمع به غير صحيح وكان الظاهر كم آتاهم لكنه روعي حال المتكلم وهو جائز كما مرّ . قوله : ( أي آيات اللّه فإنها الخ ) التبديل التغيير وذلك يكون في الذات نحو بدلت الدراهم دنانير وفي الأوصاف نحو بدلت الحلقة خاتما ، والوجه الأوّل ناظر إلى تفسير الآية قبله بالمعجزة والثاني : إلى تفسيرها بالكتب وهذا ناظر إلى معنى التبديل ، فالأوّل تبديل ما هو حقه ، والثاني تبديل أنفسها بالتحريف والتأويل والنعمة حينئذ من وضع المظهر موضع المضمر ليدل على أنها نعمة إلهية جليلة . قوله : ( من بعد ما وصلت إليه الخ ) لما ذكر أنّ نعمة اللّه هي الآيات وقد وصفت بالإيتاء فذكر المجيء بعده مع أنّ التبديل لا يتصوّر بدون المجيء وكونه نعمة يقتضي الوصول إليه مستدرك جعل المجيء مجازا عن معرفتها أو التمكن منها لأنّ ما لم يعلم كالغائب والمراد بالمعرفة معرفة أنها آية ونعمة لا معرفة ذاتها حتى يرد أنّ تبديل الشيء لا يكون إلا بعد معرفته فالاستدراك بحاله .
قوله : ( فيعاقبه الخ ) إشارة إلى أنّ قوله :فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِأقيم مقام الجواب فإنه لا يترتب على الشرط ولا يتسبب عنه بحسب الظاهر وقيل : إنه من جهة أنّ التبديل سبب للإخبار بأنه شديد العقاب كقوله تعالى :وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ[ سورة النحل ، الآية : 53 ] . قوله :