السِّلْمِ كَافَّةً
السلم بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة ولذلك يطلق في الصلح والإسلام فتحه ابن كثير ونافع والكسائي وكسره الباقون وكافة اسم للجملة لأنها تكف الأجزاء عن التفرّق حال من الضمير أو السلم لأنها تؤنث كالحرب قال :
السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
شرح
أشار بقوله الذي يؤمر باتقائه ، وترك تفسير الزمخشريّ له بترك الاتعاظ لأنه خلاف الظاهر والأنفة بفتحات المتكبر والباء في بالإثم للتعدية أو للسببية ، وقوله : كفته إشارة إلى أنّ حسب اسم فعل ماض بمعنى كفى وهو قول لهم وفيه نظر وقيل : هو اسم بمعنى كافي وجهنم خبره أو فاعل سدّ مسد الخبر ، وجهنم علم لدار العقاب ممنوع من الصرف إمّا للعلمية والتأنيث ، وأصل معناه البئر البعيدة القعر وقيل : إنه غير عربي وأصله جهنام فمنع صرفه للعلمية والعجمة ، والداعي إلى القول بالعجمة إن وزن فعنل لم يوجد وبعض النحاة أثبتوه وذكروا له نظائر والمخصوص بالذم المحذوف هو جهنم وجعلها مهادا على التهكم والفراش أعمّ مما يوطأ للنوم واختلف فيه هل هو مفرد أو جمع مهد وصهيب بالتصغير صحابيّ معروف ولم يكن روميا وإنما أسره الروم صغيرا « 1 » فقيل : له الرومي وعلى هذه الرواية فيشرى على ظاهره وفسر رأفة اللّه ورحمته هنا لمناسبة المقام بالإرشاد لما فيه نفع لآخرتهم . قوله : ( السلم بالكسر والفتح الخ ) وفيه لغة أيضا بفتحتين وأصل معناه الانقياد ، وكافة في الأصل اسم فاعل من الكف وهو المنع ثم نقلته العرب واستعملته بمعنى جميعا وقاطبة لاستغراق جملة الشيء لأنّ الجملة تمنع الأجزاء من الانتشار ، وهي إمّا حال من ضمير ادخلوا الفاعل وهو الظاهر أو من السلم لأنها مؤنث كالحرب كذا قال المصنف تبعا للزمخشريّ وأورد عليه أنّ التاء في كافة كتاء قاطبة انسلخ عنها معنى التأنيث فلا حاجة لما ذكر وإن كان يختص بمن يعقل ولا يكون إلا حالا من العقلاء فهذا مخالف لكلام العرب كافة وكذا قولهم فيوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ[ سورة سبإ ، الآية : 28 ] إنه نعت لمصدر محذوف أي إرسالة كافة ، وقول : في خطبة المفصل بكافة الأبواب قيل : إنه خطأ من وجوه وقد ردّ هذا شارح اللباب بأنه سمع في قول عمر رضي اللّه عنه في كتاب له محفوظ مضبوط جعلت لآل بني كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا على أنه لو سلم فلا يعد مثله خطأ لأنه لا يلزم استعمال المفردات فيما استعملته العرب بعينه ولو التزم هذا لأخطأ الناس في أكثر كلامهم وقد بسطناه في شرح درّة الغواص .
قوله : ( السلم تأخذ منها الخ ) الشعر للعباس بن مرداس رضي اللّه عنه ومن فيه ابتدائية متعلقة بتأخذ لا بيانية ولا تبعيضية أي تأخذ منها أبدا ما تحبه وترضاه فلا تسأم من طول زمانها والحرب بالعكس يكفيك اليسير منها والجرع جمع جرعة وهو ما يشرب والأنفاس جمع نفس
هامش
( 1 ) أخرجه الواحدي في « أسباب النزول » 123 والحاكم في المستدرك 3 / 398 من حديث أنس وقال صحيح على شرط مسلم .