المزدلفة والخطاب مع قريش كانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعا عليهم فأمروا بأن يساووهم وثم لتفاوت ما بين الإفاضتين كما في قولك أحسن إلى الناس ثم لا
شرح
الموصوف وعلى الكافة لا عامل له كما أنه لا معمول له لأنه لم يبق حرفا بل يقيد من جهة المعنى فقط وهذا الذي ذكره من كون حرف الجرّ إذا كف عن العمل لا متعلق له ظاهر . قوله :
( أي من عرفة لا من المزدلفة الخ ) المراد بالناس الجمهور والتعريف للجنس وإفاضتهم من عرفة وجمع اسم مزدلفة لاجتماع آدم وحوّاء بها أو لغير ذلك . قوله : ( وثم لتفاوت ما بين الإفاضتين الخ ) قال النحرير : لما توجه أنّ الإفاضتين من عرفات فما وجه العطف بثم الدالة على التراخي عن الأمر بالذكر المقارن لها بل المتأخر عنها فأجاب بأنّ موقعها موقع ثم في قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير الكريم لما مرّ من دلالة إذا أفضتم الخ على وجوب الإفاضة من عرفات وأنّ معنى ثم أفيضوا لتكن إفاضتكم منه لا من المزدلفة فكأنه قيل : أفيضوا من عرفات ثم لا تفيضوا من المزدلفة لأنّ الأولى صواب والثانية خطأ وبينهما بون بعيد وهذا مما يقرّر تفاوت المرتبة وتباعدها وهو وإن كان إنما يعتبر بين المتعاطفين وهو عدم الإحسان إلى غير الكريم وعدم الإفاضة من المزدلفة لكن قد جرت عادته أن يعتبر التفاوت بين المعطوف عليه وما دخله حرف النفي من المعطوف لا نفسه ، وأمّا الاعتراض بأنّ التفاوت يفهم من كون أحدهما مأمورا به والآخر منهيا عنه سواء كان العطف بثم أو بالفاء أو بالواو فليس بشيء نعم يرد أنّ هذا إنما يطابق المثال لو أريد أفيضوا إلى منى من غير تعيين عرفات أو أريد في المثال أحسن إلى الناس الكرام وأمّا إذا أجرى الناس على الإطلاق وقد تقرّر أنّ فإذا أفضتم يدل على وجوب الإفاضة من عرفات فلا مطابقة إلا أنه لا يضر بالمقصود في موقع ثم والحاصل أنّ أفيضوا عطف على فاذكروا قصدا إلى التفاوت بينه وبين ما يتعلق باذكروا وهو إذا أفضتم الخ وهذا من دقيق هذا الكتاب ويؤخذ منه أنّ التفاوت يكون بتفضيل أحد المتعاطفين سواء كان الأوّل أو الثاني كما أشار إليه في الكشف وأنّ التفاوت يكون بينهما بالذات وبين متعلقيهما فافهم .
تنبيه : ذكر ابن إسحاق في سيرته أن قريشا كانت تسمي الحمس لتشدّدهم في الدين وكانوا لتعظيمهم الحرم تعظيما زائدا ابتدعوا أنهم لا يخرجون منه ليلة عرفة ويقولون نحن قطان بيت اللّه وأهله فلا يقفون بعرفة مع أنها من مشاعر إبراهيم عليه الصلاة والسلام فكانوا كذلك حتى ردّ اللّه عليهم بقوله : ثم أفيضوا الخ وكان عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يقف بعرفات ويخالفهم لأنّ اللّه وفقه وأوقفه على المشاعر اه . فالأوّل هو التفسير المأثور ولذا قدّمه المصنف إلا أنّ فيه خفاء من جهة النظم فإنه معطوف على جواب إذا وعليه يصير تقديره فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات ولا يخلو من نظر فهو محتاج إلى التأويل .
قوله : ( وقيل من مزدلفة منى الخ ) إشارة إلى وجه تكون فيه ثم على أصلها ويكون الناس