خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأوّلين بالرفع على معنى لا يكونن رفث ولا فسوق والثالث بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج وذلك أنّ قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام فارتفع الخلاف بأن أمروا بأن يقفوا أيضا بعرفة
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
حث على الخير عقيب النهي عن الشرّ ليستبدل به ويستعمل مكانه
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
وتزوّدوا لمعادكم التقوى فإنّه خير زاد وقيل نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزوّدون ويقولون نحن متوكلون فيكونون كلا على الناس فأمروا أن يتزوّدوا ويتقوا الإبرام في السؤال والتثقيل على الناس
وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ
فإنّ قضية اللب خشية اللّه وتقواه حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو اللّه تعالى فيتبرؤوا من كل شيء سواه وهو مقتضى العقل المعرّى عن شوائب الهوى فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
شرح
بالتطريب ما يخرجه عن اتصال الحروف ويجعله كالأغاني وإلا فتحسين الصوت بالقرآن حسن وقراءة الرفع تنبيه بأنها على قصد النهي على وجه المبالغة كما قال والجدال منفيّ على ما فسره به ، ووجه الحث على الخير أنّ المراد بعلم اللّه وهو عالم بكل قبوله والجزاء عليه . قوله :
( وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأوّلين بالرفع على معنى الخ ) قال أبو حيان : تأويله على هذه القراءة أنهما حملا الأوّلين على معنى النهي بسبب الرفع والثاني على الإخبار بسبب البناء وفيه أنّ الرفع والبناء لا يقتضيان شيئا من ذلك ولا فرق بينهما إلا أنّ قراءة الفتح نص في العموم والرفع راجحة فيه ، وقيل : إنه منقول عن أبي عمرو الذي قرأها لأنه قال الرفع بمعنى لا يكون رفث ولا فسوق أي شيء يخرج من الحج ثم ابتدأ النفي فقال : ولا جدال فأبو عمرو لم يجعل النفيين الأولين نهيا والذي يدفع ما قاله أنّ الرفث والفسوق فيه واقع فلا بد من حمله على النهي لئلا يلزم تخلف إخباره تعالى بخلاف الجدال في الحج نفسه لا في أيامه فتأمّل . قوله :
( وتزودوا لمعادكم الخ ) يعني أنّ الزاد المراد به العمل الصالح على طريق الاستعارة وعلى القول الآخر حقيقة والمراد بالتقوى معناها اللغوي وهو اتقاء الإلحاح في السؤال والثقل على الناس وكلا بمعنى ثقلا والإبرام أصله الأحكام من إبرام الحبل وهو فتله قال الراغب المبرم الذي يلح ويشدّد في الأمر تشبيها بمبرم الحبل اه . قوله : ( حثهم على التقوى الخ ) يعني أنّ قوله واتقون الخ بعد قوله خير الزناد التقوى المفيد للحث عليها وطلبها بمعنى أخلصوا إلى التقوى فإنّ مقتضى العقل الخالص عن الشوائب ذلك وكونه خالصا عن ذلك مأخوذ من إطلاق اللب عليه فلا تكرار . قوله :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًاالخ ) نزلت وقد أنف قوم من التجارة في أيام الحج كما كان وخافوا الإثم فتبين لهم أنه مباح لهم إذا لم يشغلهم ذلك عن العبادة « 1 » وقوله قيل : الخ هو المذكور في البخاري ، وعكاظ بضم العين المهملة والكاف الخفيفة والظاء
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 1770 - 2050 - 2098 - 4519 وابن جرير 2 / 116 وأبو داود 1731 كلهم عن ابن عباس .