ما استيسر أو فاهدوا ما استيسر والمعنى أن أحصر المحرم وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدي تيسر عليه من بدنة أو بقرة أو شاة حيث أحصر عند الأكثر لأنه عليه الصلاة والسلام ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل وعند أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى يبعث به ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار فإذا جاء اليوم وظنّ أنه ذبح تحلل لقوله :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وحمل الأوّلون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل الذبح فيه حلا كان أو حرما واقتصاره على الهدي دليل على عدم القضاء وقال أبو حنيفة يجب القضاء والمحل بالكسر يطلق على المكان والزمان والهدي جمع هدية كجدي وجدية وقرىء من الهديّ جمع هدية كمطيّ في مطية
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً
مرضا يحوجه إلى الحلق
أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ
كجراحة وقمل
فَفِدْيَةٌ
فعليه فدية إن حلق
مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ
شرح
بجواز عمله محذوفا فإن قلنا بعدمه لضعفه فهو خبر مبتدأ محذوف أي الواجب أو مبتدأ خبره محذوف تقديره عليكم أي واجب عليكم أو مفعول فعل مقدر تقديره اهدوا ، وقوله : تيسر عليه وفي نسخة يسر عليه إشارة إلى أنّ السين ليست للطلب وأنه بمعنى تيسر ، وقوله : وهي من الحل فيه خلاف أيضا فإنها عند أبي حنيفة من الحرم والمحدّثون صححوا الأوّل ولكنه لا يضر أبا حنيفة لأنها متصلة به وهي اسم بئر فما جاورها من الحرم يعدّ من فنائها ، وبه يجمع بين القولين قال الواحديّ الحديبية طرف الحرم على تسعة أميال من مكة وقوله : يوم أما ربا لإضافة وفتح الهمزة من الأمارة بمعنى العلامة وفي الفائق عن ابن مسعود رضي اللّه عنه لدغ رجل وهو محرم بالعمرة فقال بعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أما رأي يوما تعرفونه فإذا ذبح حل فأوثرت هذه العبارة لورودها في الأثر . قوله : ( لا تحلوا حتى تعلموا الخ ) ظاهر كلام المصنف رحمه اللّه أنه لبيان حكم المحصر فقط وبه صرح الزمخشريّ وقيل : إنه عام راجع إلى قوله أتموا الحج ، وقوله : وحمل الأوّلون إشارة إلى أنّ ظاهر النظم مع أبي حنيفة رحمه اللّه فالمراد بمحله المحل الذي عينه الشارع وهو محل الإحصار مطلقا والجدي كالهدي بجيم ودال مهملة ما يحشى ليوضع تحت دفة السرج أو الرحل ، وقوله : واقتصاره الخ لا يقول به أبو حنيفة لمعارضته الروايات الصحيحة واقتضاء القياس على الصوم والصلاة له ، والمطي والمطية ما يمتطي أي يركب من الإبل . قوله : ( والمحل الخ ) في الكشف والتحقيق أنّ محل الدين وقت حلوله وانقضاء أجله والوجوب يلزمه من خارج وأمّا محل الهدي فهو مكان يحل فيه نحره أي يسوغ أو يجب وقد نقله الأزهريّ عن الزجاج وغيره بهذا المعنى ، ومن حيث حبس عند الشافعيّ . قوله : ( مرضا يحوجه إلى الحلق ) قيده بهذا ليلا ثم ما ترتب عليه وهو قوله ولا تحلقوا رؤوسكم والمعطوف وهو أو به أذى من رأسه وإلا فالحكم عامّ في كل مرض يحوج
هامش
- حبان 3773 - 3774 والطبراني 24 / 834 - 835 والبغوي 2000 والبيهقي 5 / 221 كلهم عن عائشة .