في الفساد والإلقاء طرح الشيء وعدى بإلى لتضمن معنى الانتهاء والباء مزيدة والمراد بالأيدي الأنفس والتهلكة والهلاك والهلك واحد فهي مصدر كالتضرّة والتسرّة أي لا توقعوا أنفسكم في الهلاك وقيل معناه لا تجعلوها آخذة بأيديكم أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إليها فحذف المفعول
وَأَحْسِنُوا
أعمالكم وأخلاقكم أو تفضلوا على المحاويج
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه اللّه تعالى وهو على هذا يدل على وجوبهما ويؤيده قراءة من قرأ وأقيموا الحج والعمرة للّه وما روى
شرح
وإنما احتملت الآية الضدّين لأنّ اليد تستعمل في الإعطاء والمنع قبضا وبسطا قال تعالى :وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ[ سورة الإسراء ، الآية : 29 ] فالآية تحتمل النهي عن حاشيتي السخاء ، وقوله أو بالكف إشارة إلى تعلقه بهما معا وقوله : ويؤيده ما روي الخ رواه الترمذيّ وأبو داود عن أسلم بن عمران مع اختلاف في ألفاظه وقوله : أو بالإمساك الخ يعني التهلكة هنا البخل لأنه يسمى هلاكا وأصل معنى الهلاك لغة تناهي الفساد كقوله :وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ[ سورة البقرة ، الآية : 205 ] أي يفسدهما ومنه الاستهلاك . قوله :
( والإلقاء طرح الشيء وعدى بإلى لتضمن معنى الانتهاء ) أو الإفضاء وهذا أولى لأنه لا تكون الباء فيه مزيدة إذ زيادتها في المفعول شاذة والأيدي مجاز عن الأنفس ، وكون التهلكة بالضم مصدرا كالتضرّة بالضاد المعجمة بمعنى الضرر والتسرّة بمعنى السرور منقول عن سيبويه وهو الصحيح لكنه من النوادر ومثله في الأسماء تنضبة لشجرة وتتفلة للثعلب وجوّز الزمخشري أن يكون أصلها كسر اللام فضمت قبل ويؤيده أنه قرئ به ، وردّه أبو حيان بأنّ مصدر فعلي لا يكون تفعلة ، وبأنه دعوى بلا دليل وكونها بمعنى الهلاك هو المشهور وقيل : التهلكة ما أمكن التحرّز عنه والهلاك ما لا يمكن وقيل : هي نفس الشيء المهلك . قوله : ( وقيل : معناه لا تجعلوها آخذة بأيديكم ) هذا الوجه قدمه الزمخشريّ وهو على زيادة الباء قال الباء في بأيديكم مزيدة مثلها في أعطى بيده للمنقاد والمعنى ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم يعني لا توقعوا أنفسكم فيما تتحققون الهلاك به من قولهم أعطى بيده من انقاد كما يقال : في ضدّه نزع يده عن الطاعة وقوله : ولا تقبضوا بالتشديد بيان لطريق المجاز أي لا تجعلوا التهلكة مسلطة عليكم فتأخذكم كما يأخذ المالك القاهر يد مملوكه فسبيل هذا المجاز سبيل الاستعارة المكنية ، ولما فيه من الخفاء ضعفه المصنف ولكونه المعنى المشهور المتبادر منه إذ معناه لا تستسلموا وتنقادوا للهلاك قدّمه الزمخشريّ لجزالته وعلى الوجه الأخير هو متعد حذف مفعوله ومعناه لا تقتل نفسك بيدك كقولهم لا تفعل كذا برأيك .
قوله : ( أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك الخ ) ذهب أبو حنيفة إلى أنّ العمرة ليست بواجبة والشافعي قال إنها واجبة كالحج ، واستدل بعضهم بهذه الآية لأنّ معنى أتموا ائتوا بهما تامين والأمر للوجوب ويؤيده القراءة الأخرى وما ورد في الحديث والأحاديث الدالة على عدم الوجوب يعارضها أحاديث أخر لا يعلم المتأخر منها حتى يكون ناسخا لكن ظاهر النظم