وينعكس الأمر عليكم والفاء الأولى للتعقيب والثانية للجزاء
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ
قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه وكرهوا أن يقاتلوهم فيه لحرمته فقيل لهم هذا الشهر بذاك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
احتجاج عليه أي كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص فلما هتكوا حرمة شهركم بالصدّ فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم كما قال :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
وهو فذلكة التقرير
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في الانتصار ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
فيحسرهم ويصلح شأنهم
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ولا تمسكوا كل الإمساك
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
بالإسراف وتضييع وجه المعاش أو بالكف عن الغزو والإنفاق فيه فإنّ ذلك يقوّي العدوّ ويسلطهم على إهلاككم ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال لما أعز اللّه الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت أو بالإمساك وحب المال فإنه يؤدّي إلى الهلاك المؤبد ولذلك سمي البخل هلاكا وهو في الأصل انتهاء الشيء
شرح
والمنتهون ليسوا بظالمين فلا تعتدوا عليهم ، الثاني أنه مشاكلة بتسمية جزاء العدوان عدوانا أي لا تظلموا إلا الظالمين دون المنتهين يعني لا تفعلوا ما هو في صورة الظلم مجازاة له بمثله إلا مع الظالمين ففي الوجهين القصد إلى النهي مجازا أو كناية لكن النهي في الأوّل عن قتال المنتهين لكونه ظلما حقيقة وفي الثاني عن مجازاة غير الظالمين بما هو في صورة الظلم بالنسبة إلى الظالمين ، الثالث أنّ المذكور سبب للجزاء أي إن انتهوا فلا تتعرّضوا لهم لئلا تكونوا ظالمين فيسلط اللّه عليكم من يعدو عليكم لأنّ العدوان لا يكون إلا على الظالمين أو المراد أنه كناية على معنى إن انتهوا يسلط اللّه عليكم من يعدو عليكم على تقدير تعرّضكم لهم بصيرورتكم ظالمين بذلك ، وقيل : في المشاكلة إنه سمي جزاء الظلم ظلما وإن كان عدلا من المجازي لكونه ظلما في حق الظالم من عند نفسه لأنه ظلم نفسه بالنسبة لإلحاق الجزاء به .
قوله : ( قاتلهم المشركون عام الحديبية ) فيه نظر لأن عام الحديبية لم يكن فيه قتال بل صد كما في الصحيحين وجمع بين الروايتين بأنه لم يكن فيه قتال شديد بل ترام بسهام وحجارة كما روي عن ابن عباس في سورة الفتح وفيه نظر ، وقوله وقيل : لهم هذا الشهر بذاك أي إنّ اللّه أحل لكم جزاء على ما كان منهم . قوله : ( يجري فيها القصاص ) إشارة إلى أنّ في الكلام مقدرا أي ذوات قصاص ، وقوله : هو فذلكة أي إجمال لما فصل متفرّع عليه تفرّع النتيجة وهو عدول عن قول الزمخشريّ أنه تأكيد لأنّ التأكيد لا يعطف بالفاء إلا أن تجعلها اعتراضية فإنّ الاعتراض يفيد التأكيد ويكون بالفاء كما مر ، وقوله : فيحرسهم يشير إلى أنّ المعية استعارة وتمثيل والعنوة القهر ويقابلها الصلح . قوله : ( ولا تمسكوا كل الإمساك الخ ) فسره به ليقابل الإسراف ولما كان قوله ولا تلقوا بأيديكم الخ يحتمل تعلقه بقوله قاتلوا أو بقوله أنفقوا أو بهما والثاني أقرب ولذا قدمه والمعنى حينئذ النهي عن ترك الإنفاق أو عن الإسراف فهو تذييل قيل :