حرمة المسجد الحرام
فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ
فلا تبالوا بقتالهم ثمّ فإنهم الذين هتكوا حرمته وقرأ حمزة والكسائي ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم والمعنى حتى يقتلوا بعضكم كقولهم قتلتنا بنو أسد
كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
مثل ذلك جزاؤهم يفعل بهم مثل ما فعلوا
فَإِنِ انْتَهَوْا
عن القتال والكفر
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يغفر لهم ما قد سلف
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
شرك
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
خالصا له ليس للشيطان فيه نصيب
فَإِنِ انْتَهَوْا
عن الشرك
فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
أي فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم فوضع العلة موضع الحكم وسمى جزاء الظلم باسمه للمشاكلة كقوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
[ سورة البقرة ، الآية : 194 ] أو أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين
شرح
الحرم وصدّهم إياكم عنه وقتلهم إياهم لا قبح فيه لكنه بحسب ما يتوهم لكونه في الحرم .
قوله : ( لا تفاتحوهم بالقتال الخ ) هتك الحرمة إزالتها ، وقوله : لا تفاتحوهم معنى تمام النظم لا معنى تقاتلوهم إذ لا يستقيم لا تفاتحوهم بالقتال ، وقوله : حتى يقتلوا بعضكم الخ يعني أنه جعل الفعل الواقع على البعض وكذا الصادر عن البعض بمنزلة ما يكون من الجميع وبينه في جانب المفعول لعلم الآخر بالمقايسة عليه كقولهم قتلنا بنو فلان والقاتل بعضهم كما مر ، وهذا التأويل على القراء بالمفاعلة لا حاجة إليه ولذا ذكره المصنف رحمه اللّه مع القراءة الثانية وقوله : قتلتنا بنو أسد مؤنث في النسخ وهو صحيح كما صرحوا به وإن كان لا يجوز قامت الزيدون وهو مخصوص بجمع ابن لأنه لما تغير مفرده أشبه جمع التكسير وهو يجوز في التأنيث والتذكير ، وقوله : عن القتال والكفر أي عنهما معا لأنه الذي يترتب عليه المغفرة وتفسير الفتنة هنا بالشرك مأثور عن قتادة والسدي ، وقوله : ليس للشيطان فيه نصيب قال الطيبي هذا الاختصاص من لام للّه ولهذا فسرت الفتنة بالشرك للمقابلة والذي يقتضيه حسن النظم وإيقاع النكرة في سياق النفي أن تعم لكل ما يسمى فتنة فيطابق ويكون الدين كله للّه لأنّ الفتنة حملت أوّلا على الشرك فلو كانت عينها لأضمرت أو عرفت ، وقيل : إنما فسرت الفتنة بالشرك ليصح العموم بالنفي وينتظم عطف ويكون الدين للّه وفسر الانتهاء عن الشرك بقرينة المقام وضم إليه القتال في الأوّل دون الثاني وكأنه مراد في الثاني اه ، وقد علمت أنه تفسير السلف وأما إنّ المحل محل إضمار أو تعريف فلا لأنّ الفتنة على المرضيّ لم تفسر بالشرك كما مر وأمّا تعليق الانتهاء بهما أولا فلأنّ تفريعه على القتال قبله يقتضي تعلقه بالقتال وذكر المغفرة بعده يقتضي الكفر فلذا عمم في الأوّل وأمّا هنا فلأنه متفرّع على اختصاص الدين باللّه وهو يقتضي الانتهاء عن الشرك ولا حاجة إلى ذكر القتال لاستلزامه له وتقدّم ذكر الانتهاء عنه فتأمّل . قوله : ( فلا تعتدوا على المنتهين الخ ) قال النحرير : الظرف في موقع الخبر أي لا عدوان ثابت على قوم إلا على الظالمين ولما كان في ترتب الجزاء على الشرط نوع خفاء إذ الظاهر فلا عدوان عليهم ذكر له ثلاثة معان الأوّل أنه كناية عن النهي عن العدوان على المنتهين أي العدوان مختص بالظالمين