جعل الشيء محل ضدّه وعرف القصاص ونكر الحياة ليدل على أنّ في هذا الجنس من الحكم نوعا من الحياة عظيما وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فيكون سبب حياة نفسين ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل والجماعة بالواحد فتثور الفتنة بينهم فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون ويصير ذلك سببا لحياتهم وعلى الأوّل فيه إضمار وعلى الثاني تخصيص وقيل المراد بها الحياة الأخروية فإن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة ولكم في القصاص يحتمل أن يكونا خبرين لحياة وأن يكون أحدهما خبرا والآخر صلة له أو حالا من الضمير المستكنّ فيه وقرىء في القصص أي فيما قص عليكم من حكم القتل حياة أو في القرآن حياة للقلوب
يا أُولِي الْأَلْبابِ
ذوي العقول الكاملة ناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له أو عن القصاص فتكفوا عن القتل
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
أي حضر أسبابه وظهرت أماراته
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
أي مالا وقيل مالا كثيرا لما روي عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه أنّ مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم فمنعه وقال قال اللّه تعالى :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
والخير هو المال الكثير وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنّ رجلا أراد أن يوصي فسألته كما مالك فقال ثلاثة آلاف فقالت كم عيالك قال أربعة قالت إنما قال اللّه تعالى :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
فإنّ هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك
الْوَصِيَّةُ
شرح
الحياة من الآفات ، ومعناه أنّ الحياة الحاصلة بالارتداع أو الحياة العظيمة إنما تحصل بشرعية القصاص لا غير فالظرفية مجازية تفيد بحسب الوضع اجتماعهما وهما ضدان فيقصد بها هذا المعنى البديع في نفسه الغريب في مأخذه فلا يرد عليه شيء . قوله : ( وعرف القصاص الخ ) يعني أنّ التعريف للجنس والتنوين للتنويع والتعظيم لأنه يردع القاتل عن القتل فيكون سببا لحياة نفسين أو يمنع أن يقتل غير القاتل كما كان في الجاهلية فتحيا به نفوس ، فعلى الأوّل فيه إضمار أي شرع القصاص أو علم القصاص وعلى الثاني فيه تخصيص الحياة بحياة غير المقتص منه والنوعية أنسب بالأوّل والتعظيم بالثاني ولذا خصه في الكشاف والمصنف رحمه اللّه لم يعينه لصلاحيته لكلّ منهما . قوله : ( يحتمل أن يكونا خبرين الخ ) وقوله : صلة له أي متعلقا بمتعلقه أو به نفسه لنيابته عن المتعلق أو حالا وقراءة القصص جوّز فيها أيضا أن يكون القصص مصدرا بمعنى القصاص وخص الخطاب بأولي الألباب لما ذكره ، وقيل : لأنّ الحكم مخصوص بالبالغين دون الصبيان ، وقوله : في المحافظة إشارة إلى أنه من التقوى بالمعنى الشرعي وقوله :
أو عن القصاص فيكون بالمعنى اللغوي . قوله : ( كتب الخ ) ترك العطف في هذا ونظائره لأنه قصد استقلالها وأنّ كلا منها مقصود بالذات وإن أمن فيها العطف وملاحظة مناسبة بينها ، وقوله حضر أسبابه إشارة إلى تقدير مضاف لأنّ الموت لا يحضر وقيل : إنّ المراد به الحضور العلمي وفسر الخير بالمال الكثير ويطلق على المال قليلا أو كثيرا . قوله : ( مرفوع بكتب الخ ) وترك