تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
ترك وشيء مفعول به وهو ضعيف إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاء وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب قال اللّه تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
[ سورة التوبة ، الآية : 43 ] وقال :
عَفَا اللَّهُ عَنْها
[ سورة المائدة ، الآية : 101 ] فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قبل فمن عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعني وليّ الدم وذكره بلفظ الأخوة الثابتة بينهما من الجنسية والإسلام ليرق له ويعطف عليه
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ
أي فليكن اتباع أو فالأمر اتباع والمراد به وصية العافي بأن يطلب الدية بالمعروف فلا يعنف والمعفوّ عنه بأن يؤديها بالإحسان وهو أن لا يمطل ولا يبخس وفيه دليل على أنّ الدية أحد مقتضي العمد وإلا لما رتب الأمر بأدائها على مطلق العفو والشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه في المسألة قولان
ذلِكَ
أي الحكم المذكور في العفو والدية
تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
لما فيه من التسهيل والنفع قيل كتب على اليهود القصاص وحده وعلى النصارى العفو مطلقا وخير هذه الأمّة بينهما وبين الدية تيسيرا عليهم وتقديرا للحكم على حسب مراتبهم
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ
قتل بعد العفو وأخذ الدية
فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
في الآخرة وقيل في الدنيا بأن يقتل لا محالة لقوله عليه السلام لا أعافي أحدا قتل بعد أخذه الدية
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث
شرح
إسناده للمصدر الذي هو مجازع على خلاف الأصل ولا حاجة إلى القول بأنه تضمين لأنه لا ينقاس وقوله : عن جنايته تقدير لمتعلقه الآخر ، وقوله : من جهة أخيه إشارة إلى أنّ من ابتدائية . قوله : ( أي فليكن اتباع الخ ) يعني أنه مرفوع على الفاعلية ومنهم من قدره فعليه اتباع أو فالواجب اتباع وقوله وفيه دليل الخ تقدّم الكلام فيه وجوابه مبسوط في أحكام الجصاص . قوله : ( ذلك أي الحكم الخ ) كون الواجب على اليهود القصاص وحده كذا في الكشاف هنا أيضا لكنه ذكر في الأعراف أنهم منعوا من الدية فقط وكان لهم القصاص أو العفو مجانا وسيأتي تفصيله في محله . قوله : ( لا أعافي أحدا قتل بعد أخذه الدية ) « 1 » أخرجه أبو داود وفي رواية لا أعفي وظاهره أنه لا يقبل من ولي القتيل الثاني عفوه عن القصاص مطلقا وفيه تأمّل . قوله : ( كلام في غاية الفصاحة الخ ) لأنهم كانوا يقولون القتل أنفى للقتل ويعدونه أبلغ كلام في معناه وهذا التركيب أبلغ منه وأفصح بوجوه كثيرة كما في شروح المفتاح وقد أشير إلى طرف منها هنا كقوله حيث جعل الشيء محلّ ضده إذ جعل القصاص وهو فناء وموت مكانا لضده الذي هو الحياة ، وقد رد هذا صاحب الانتصاف وقال هذا إما وهم أو تسامح لأنّ شرط تضادّ الحياة والموت اجتماعهما في محل واحد ولا تضاد بين حياة غير المقتص وموت المقتص وليس كما زعم فإنّ فيها حمل الشيء على ضده ولم يكتف بهذا القدر بل صرح بالظرفية بأن جعل القصاص مدخول في وفائدته أنّ المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق فالقصاص يحمي
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 4507 من حديث جابر بن عبد اللّه بلفظ « لا أعفي » .