المعجز بفصاحته التي بذت فصاحة كل منطبق وافحام من طولب بمعارضته من مصاقع الخطباء من العرب العرباء مع كثرتهم وإفراطهم في المضادّة والمضارّة وتهالكهم على المعازة والمعارّة وعرّف ما يتعرّف به إعجازه ويتيقن أنه من عند اللّه سبحانه وتعالى كما
شرح
فلا يلتفت إلى إزاحته ولذا لم يقل إن كنتم مرتابين مبالغة فيه أي إن كنتم محاطين بالريب يندفع عنكم بهذا الطريق وليس بشيء لأنّ العدول عن جعل ما مرّ برهانا عقليا مستقلا إلى كونه برهانا سمعيا يأباه السياق لأنه لو أريد ذلك ، قال اعبدوا اللّه ولا تشركوا به كما في غير هذه الآية الواردة بعد الإثبات لأنه يضيع حينئذ تفصيل الأدلة الأنفسية والآفاقية وتصير لغوا خالية عن اللطائف السابق تقريرها . قوله : ( وهو القرآن المعجز بفصاحته الخ ) إشارة إلى المذهب الحق في الإعجاز ، وبذت بالذال المعجمة بعد باء موحدة وكذا بالزاي المعجمة بمعنى غلب وقهر ، ومنه المثل من « عزيز » والمنطيق بكسر الميم صيغة مبالغة من النطق وهو البليغ الكثير نطقه ، والإفحام بالفاء والحاء المهملة إسكات الخصم بالحجة حتى يسودّ وجهه ويصير كالفحمة وأصله من فحم الصّبي إذا بكى حتى انقطع صوته ، والمضادّة مفاعلة من الضدّ بمعنى المعاندة ، والمضارّة مفاعلة من الضرر والمعازة بالزاي المعجمة المغالبة والمعارّة بالراء المهملة المخاصمة من المعرّة وهي الفضيحة لأنه يحرص على تفضيح خصمه ، والمصقع البليغ والعرب العرباء الخلص كما مرّ في أوائل الديباجة وفي كلامه تجنيس حسن ويعرف إعجازه ونفي الريب عنه بعدم قدرتهم وهم أفصح الناس على مضاهاته ومعارضته وهو يقتضي أنه ليس من كلام البشر ، وأمّا احتمال أنه عليه الصلاة والسلام خلق أفصح الناس حتى لا يقدر على مثل كلامه أو أنه كلام ملك فغير ضارّ لعدم تسليم الأوّل ولذا لم يقله أحد منهم وكذا . الثاني لو نزل عليه ملك كان نبيا ، وقوله : وإفحام من الخ بإضافة الإفحام إلى من كما في أكثر النسخ وقد قيل عليه أنه عطف على قوله نبوّة ولا وجه له لأنّ الحجة لا تقوم على الإفحام بل بعده وفي بعض النسخ إفحامه بالإضافة إلى الضمير عطفا على فصاحته ولا وجه له أيضا لأن الباء في المعطوف عليه للسببية فالعطف عليه يقتضي أن يكون إفحامه لمن طلب معارضته سببا لإعجازه ، وليس كذلك بل الأمر بالعكس فالصحيح أن يقال وأفحمت بصيغة الفعل المعطوف على بذت وليس بشيء لمن له أدنى تدبر فإن دفعه على طرف الثمام . قوله : ( وإنما قال مما نزلنا الخ ) يعني لم يعبر بالأفعال بل بالتفعيل المقيد للنزول لأنه من أسباب ريبهم وكذا قوله عبدنا لأنهم قالوا لما رأوا نزوله منجما على عادة الشعراء والخطباء لو كان من عند اللّه جاء دفعة واحدة كغيره من الكتب الإلهية ولجاء به إلينا ملك بلا واسطة فردّ عليهم بأنه نجم لأجل المصالح والوقائع وليسهل حفظه له عليه الصلاة والسلام ولأمّته كما يدلّ عليه قراءة الجمع ، وقد قيل إنّ المراد بالعباد الرسل لأنّ كتبهم نزلت بلغة قومهم فالريب في هذا ريب فيها وفيه نظر ، فالمعنى إن كان ريبكم لهذا فأتوا بمقدار نجم منه وأنه أسهل ومن عجز عنه عجز عن غيره بالطريق الأولى ففي هذا