من المأكول والمشروب ثم لما كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليها غير مشاهدة على وحدانيته سبحانه وتعالى رتب عليها النهي عن الاشراك به ولعله سبحانه وتعالى أراد من الآية الأخيرة مع ما دلّ عليه الظاهر وسبق فيه الكلام الإشارة إلى تفصيل خلق الإنسان وما أفاض عليه من المعاني والصفات على طريقة التمثيل فمثل البدن بالأرض والنفس بالسماء والعقل بالماء وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بوساطة استعمال العقل للحواس وازدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية
شرح
شاع هذا حتى صار حقيقة فيهما ، وفي الحديث أيّ أرض تقلني وسماء تظلني « 1 » وقوله والمطاعم الخ إشارة إلى ما تضمنه قوله وأنزل من السماء ماء الخ وأدخل المشرب في المطعم فإنه يشمله كما في قوله ومن لم يطعمه فإنه مني ، وقوله فإنّ الثمرة أعمّ الخ إشارة إلى ما قاله الراغب من أنّ الثمرة ما يحمله الشجر ثم عمّ لكلّ ما يكتسب ويستفاد حتى قيل لكلّ نفع يصدر عن شيء هو ثمرته ، فيقال ثمرة العلم العمل فيشمل كل رزق من مأكل ومشرب وملبس سواء كان من النبات كالقطن والكتان أم لا . قوله : ( ثم لما كانت هذه الأمور الخ ) المراد بالأمور ما خلق من المخلوقات من الأرضين والسماوات وما فيهما من الأجرام العلوية وما أنعم به على من بها من الأرزاق والثمار والأمطار ، وشهادتها على وحدانيته ظاهرة :وفي كلّ شيء له آية * تدل على أنه الواحدوقوله : رتب عليها النهي إشارة إلى أنّ اختيار الفاء في النظم لترتب ما بعدها على ما فعل قبلها ترتب المدلول والنتيجة بخلاف قوله : اعبدوا اللّه ولا تشركوا به حيث عطف بالواو لعدم ذكر الصفات وقد أرشدنا فيما سبق إلى أنّ السؤال المورد في العطف غير وارد عليه بعد التأمّل في كلامه وما في بعض الحواشي من تحقيق معنى السببية المستفادة من الفاء في قوله : فلا تجعلوا حيث ذكرنا أنها معنى موصل إلى التوحيد وأنّ الذي جعل لكم الآية إن كان خبرا عن الضمير المحذوف يفيد معنى التخصيص الدال على تفرّد الصانع ووحدانيته ولما أفاد الكلام المتقدم معنى التوحيد عقلا ونقلا رتب عليه النهي عن الإشراك به تعالى ترتيب المسبب على السبب فتدبر . قوله : ( ولعله سبحانه وتعالى أراد من الآية الأخيرة ) وهي قوله الذي جعل لكم الأرض فراشا الخ وإنما قال مع ما دلّ عليه الظاهر دفعا لتوهم أن يراد من الآية معناها التمثيلي دون ظاهرها فإنه غير صحيح فاللفظ مستعمل في معناه الحقيقي ، إلا أنه يفهم منه تلك الخواص بطريق الرمز والإشارة ، ولذا قال سيق فيه ولم يقل سيق له الأنّ المسوق له التوحيد والانتهاء عن اتخاذ الأنداد ، ولذا قال بعضهم الأرض وما معها محمول على ما مرّ لا أنها بمعنى البدن ونحوه فإن سمج والمراد أنه ينتقل من العالم الكبير إلى العالم الصغير كما قيل في المثل الشيء بالشيء يذكر وتشبيه الجسم بالأرض لأنه سفل ثقيل مخلوق من عناصرها والنفس
هامش
( 1 ) أثر من كلام أبو بكر الصديق ، وليس بمرفوع .