وأمّا اتباع المجتهد لما أدّى إليه ظن مستند إلى مدرك شرعي فوجوبه قطعيّ والظنّ في طريقه كما بيناه في الكتب الأصولية
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ
الضمير للناس وعدل عن الخطاب معهم للنداء على ضلالهم كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون
قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا
ما وجدناهم عليه نزلت في المشركين أمروا باتباع القرآن وسائر ما أنزل اللّه من الحجج والآيات فجنحوا إلى التقليد وقيل في طائفة من اليهود دعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا نتبع ما وجدنا عليه آباءنا لأنهم كانوا خيرا منا واعلم وعلى هذا فيعم ما أنزل اللّه التوراة لأنها أيضا تدعو إلى الإسلام
أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
الواو للحال أو العطف والهمزة للرد والتعجيب أي لا ينبغي أن يكون اتباعهم لهم وهم جهلة لا يهتدون وجواب لو محذوف أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد وأمّا اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام فهو في الحقيقة ليس بتقليد بل اتباع لما أنزل اللّه
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
على حذف مضاف
شرح
قطعا ثبوت ما نيط به إجماعا بل ضرورة من الدين فقد أفضى به ظنه إلى العلم بالأحكام أنفسها ووجب عليه العمل بمقتضى ظنه لذلك ، فالطريق ظنّي والمقصد علم محقق أو علمه بوجوب أنّ اتباع الحكم المظنون يوصله إلى العلم بثبوته من اللّه تعالى في حقه مع مقلديه بأن يقول هذا حكم يجب عليّ اتباعه وما ليس حكما ثابتا من اللّه تعالى لا يجب عليّ اتباعه والمقدّمتان قطعيتان فكذا النتيجة أعني كونه ثابتا من اللّه تعالى في حقه وإن أردت تحقيق هذا فانظر حواشي العضد والمدرك بالفتح بزنة اسم المكان ما يؤخذ منه الحكم وهو من ألفاظ الأصوليين المولدة . قوله : ( الضمير للناس وعدل عن الخطاب الخ ) هذا غفلة عما قاله هناك فإنه فسر الناس بالمتزهدين وهو لا يصح هنا بل هم اليهود أو المشركون والضمير للناس على طريقة الالتفات ، ولو كانوا غير الأوّلين لم يكن هناك التفات ، وألفي بمعنى وجد كما صرح به في الآية الأخرى وألفه منقلبة عن ياء . قوله : ( الواو للحال أو العطف ) لو وأن الوصلية في مثل هذا تقترن بالواو وقال أبو حيان رحمه اللّه إنها لازمة لا يجوز إسقاطها واختلف فيها فقيل : عاطفة على حال مقدرة وقيل : حالية وقيل : القولان بمعنى لأنّ المعطوف عليه حال فهي عاطفة وحالية وهذا هو الصحيح وبعينه قول العرب :قد قيل : ما قيل أصدقا وإن كذباونحوه والضابط فيها أن تقدر بالأبعد ليفيد الأقرب دلالة وفي الكشف إنّ الشرط نقل لمجرّد التسوية وهذا الشرط لا يقتضي جوابا على الصحيح لأنه خرج عن معنى الشرطية وإنما يقدّرونه توضيحا للمعنى وتصويرا له وأمّا دلالتها على المنع من التقليد فلزمهم على اتباع آبائهم