واسترجع فيقول اللّه ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد .
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
الخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم أو لمن تتأتى منه البشارة والمصيبة تعمّ ما يصيب الإنسان من مكروه لقوله عليه الصلاة والسلام : « كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة » وليس الصبر بالاسترجاع باللسان بل وبالقلب بأن يتصوّر ما خلق لأجله وأنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم اللّه عليه ليرى ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه ويستسلم له والمبشر به محذوف دل عليه
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
الصلاة في الأصل الدعاء ومن اللّه التزكية والمغفرة وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوّعها والمراد بالرحمة اللطف والاحسان وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من استرجع عند المصيبة جبر اللّه مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه »
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
للحق والصواب حيث استرجعوا وأسلموا لقضاء اللّه تعالى
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ
هما علما جبلين
شرح
ومحبته له ، ومعنى أسترجع قال إنا للّه وإنا إليه راجعون وقوله : وبشر الخ معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر أي أنذر الجازعين وبشر الصابرين ، وقوله : « كل شيء يؤذي الخ حتى الشوكة يشاكها والبعوضة تلسعة » « 1 » وهو حديث ورد من طرق عديدة . قوله :
( وليس الصبر بالاسترجاع الخ ) ما خلق لأجله هو معرفة اللّه وتكميل نفسه حتى يستعدّ للبقاء السرمدي ومفعول بشر مقدر أي برحمة عظيمة وإحسان جزيل بدليل ما بعده . قوله : ( في الأصل الدعاء ) إشارة إلى ما قال الراغب : إنّ أكثر أهل اللغة إنّ معنى الصلاة هو الدعاء والتمجيد يقال : صليت عليه أي دعوت وزكيت وصلاة اللّه للمسلمين هي في التحقيق تزكيته ، والمراد بالتزكية محو السيئات وتطهيرها وجمعها للتكثير كما أنّ التثنية يراد بها ذلك كلبيك وسعديك وإن كان جمع قلة فإن جمع القلة يستعار للكثرة ونكتة التعبير به أنها مع كثرتها قليلة في جنب عظمته . قوله : ( والمراد بالرحمة اللطف والإحسان الخ ) قد مرّ معنى اللطف والإحسان الإنعام ، وقوله من « استرجع الخ » « 2 » قال الطيبيّ رحمه اللّه : ما وجدته في كتب الحديث وتعقب بأنه أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقيّ في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .
قوله : ( للحق والصواب حيث الخ ) لما كرّر أولئك لشدّة الاعتناء بهم وتمييزهم وأتى بضمير الفصل المفيد للحصر والاهتداء ليس مخصوصا بأولئك أشار إلى أنّ المخصوص بهم ليس مطلق الاهتداء بل اهتداء مخصوص وهو الاهتداء للتسليم وقت صدمة المصيبة فافهم . قوله :
( علما جبلين الخ ) لما ذكر الصبر عقبه بالحج لما فيه من الأمور المحتاجة إليه ، وكونهما بالغلبة لأنّ أصل معناهما نوع من الحجارة مطلقا فتلزمهما اللام ، والشعائر جمع شعيرة أو شعارة
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) مرسل . أخرجه عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في العزاء كما في الدر المنثور 1 / 288 ( البقرة 157 ) من حديث عكرمة مرسلا .