أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي فلو تأمّلتم أدنى تأمّل اضطرّ عقلكم إلى اثبات موجد للممكنات متفرد بوجوب الذات متعال عن مشابهة المخلوقات أو منويّ وهو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله كقوله سبحانه وتعالى :
هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ
[ سورة الروم ، الآية : 40 ] وعلى هذا فالمقصود منه التوبيخ والتثريب لا تقييد
شرح
وصفاته لا يليق أن يعبد سواه فسقط ما قيل عليه من أنّ الأولى أن يقول لاضطرّ عقلكم إلى التوحيد الصرف وردّ الشرك في العبادة لأن الكفار قائلون بانفراده بوجوب الذات وإيجاد الممكنات كما قال تعالى :وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[ سورة الزخرف ، الآية : 87 ] كما صرّح به قبيل هذا في قوله وما زعموا أنها تساويه الخ . قوله : ( أو منويّ الخ ) المنويّ والمقدّر بمعنى في اصطلاحهم ، إلا أنه يلاحظ في التقديرات جانب اللفظ وفي النية الذهن وقوله وهو الخ أي المفعول المقدّر قوله أنها لا تماثله وهو سادّ مسدّ مفعولي العلم ، كما مرّ ولما كانت المماثلة عامّة لجميع وجوه المشابهة عطف عليه قوله ولا تقدر على مثل ما يفعله لأنه المقصود بالذات وأثبته بالآية المذكورة فالواو على ظاهرها وقيل إنها بمعنى أو الفاصلة لظهور أنّ المفعول ليس المجموع والثاني بيان له وسقوطه في غاية الظهور وإنما غرّه كلام الكشاف وأشار بقوله أنها الخ كالزمخشريّ إلى أنّ المفعول حذف للقرينة الدالة عليه كما قاله الفاضل اليمنيّ وقول الطيبيّ إنما حذف على هذا القصد التعميم لئلا يقصر على المذكور دون غيره ليس بمناسب لكلام الشيخين . قوله : ( وعلى هذا فالمقصود به التوبيخ الخ ) التوبيخ الإنكار بمعنى ما كان ينبغي أن يكون نحو أعصيت ربك أو لا ينبغي أن يكون في المستقبل كما في التلخيص وشروحه ، والتثريب التعيير والتقبيح وهو قريب منه ، واختلف في المراد بقوله هذا فقيل المراد على تقدير كونه حالا فيشمل الوجهين وفيه مخالفة للكشاف حيث خص التوبيخ بالأوّل وقيل المراد على الوجه الثاني لأنه على الأوّل يمكن إرادة التوبيخ والتقييد فإنه لا تكليف إلا على من قدر على النظر وقيل إنما قصر على هذا لأنّ التوبيخ في الأوّل أظهر وليس فيه احتمال التقييد والزمخشري لما لم يتعرّض للتوبيخ في هذا وتعرّض له في الأوّل عكس المصنف رحمه اللّه صنيعه تعريضا بالاعتراض عليه وذهب بعض أرباب الحواشي إلى أنه لو كان القصد من هذه الحال تقييد الحكم كان المعنى لا نهي عن اتخاذ الأنداد حال كونهم جاهلين ، وهو فاسد لأنّ العالم والجاهل القادر على العلم سيان في التكليف وقيد الجاهل بالمتمكن من العلم احترازا عن الصبيّ والمجنون وإنما فرّع هذا على الأخير مع أنّ الحال مقيدة على أيّ وجه كان ، لأنّ العلم على الوجه الأوّل مناط التكليف لأنه لا يكون إلا عند كمال العقل فكأنه قال انتهوا عن الشرك حال وجود أهلية التكليف فحينئذ يصح معنى مفهوم المخالفة ، وهو أنه لا تكليف عليكم عند عدم الأهلية بخلاف الوجه الأخير لأنه قيد الحكم بتعلق العلم بالمفعول وليس مناط التكليف إنما مناطه العلم فقط فعلى هذا لا يفيد التقييد معنى صحيحا بالنظر لمفهوم المخالفة لأنه يؤدّي إلى أنه لا نهي عن الشرك عند عدم العلم بأن الأنداد لا تماثله وهو باطل