وتسكين للمؤمنين ووعد لهم بالحفظ والنصرة على من ناواهم
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أمّا من تمام الوعد بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم وهو مجازيكم لا محالة أو وعيد للمعرضين بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ما يخففون وهو معاقبهم عليه
صِبْغَةَ اللَّهِ
أي صبغنا اللّه صبغته وهي فطرة اللّه تعالى التي فطر الناس عليها فإنها حلية الإنسان كما أنّ الصبغة حلية المصبوغ أو هدانا اللّه هدايته وأرشدنا حجته أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب أو للمشاكلة فإنّ النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم ونصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله
شرح
إمّا من تمام الوعد الخ وإذا كان من تمامه يفيد أنّ ذلك كائن لا محالة لعلمه بما هم عليه وسماعه لما يقولون المقتضى له وأخذ تحقق وقوعه من هذا التأكيد مخالفا للزمخشريّ من أخذه من السين فيفَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُحيث قال معنى السين إنّ ذلك كائن لا محالة ولو بعد حين لأنّ السين حرف تنفيس لا دلالة له على التأكيد وقول الشراح في توجيهه أنّ دلالتها على التأكيد من جهة كونها في مقابلة لن الدالة على تأكيد النفي قال سيبويه لن أفعل نفي سأفعل فيه تأمّل .
والضميران مفعولان تقول كفاه مؤنته وأو في قوله أو وعيد للتنويع لا للترديد فلا يمتنع حمل الكلام على الوعيد والوعد معا . قوله : ( أي صبغنا اللّه صبغته الخ ) الصبغة كالجلسة مصدر صبغ الثوب ونحوه وهو معروف ولما كان في الصبغ تزيين للمصبوغ ودخول فيه وظهور أثره عليه جاز أن يستعار للفطرة والطبيعة التي خلقهم اللّه عليها لأنهم يتزينون بها كما يتزين الثوب بصبغه أو للهداية التي هداهم اللّه بها لذلك أو للإيمان الذي أظهره اللّه عليهم كما يظهر أثر الصبغ على المصبوغ ويؤيده أنّ العرب سمت الديانات والاتصاف بها صبغة كما قال الشاعر :وكل أناس لهم صبغة * وصبغة همدان خير الصبغقالوا : وعلى هذه الأقوال هو من الاستعارة التصريحية التحقيقية والقرينة الإضافة إلى اللّه والجامع التأثر والظهور والتزين قالوا وهذا أنسب من المشاكلة لأنّ الكلام عام في اليهود والنصارى وتخصيصه بالنصارى لا وجه له ، وأجيب بأنّ اختصاص الغمس في المعمودية بالنصارى لا ينافي صحة اعتبار المشاكلة لأنّ ذلك الفعل كائن فيما بينهم في الجملة وهذا يصححه ولكنه لا يقتضي حسنه ويدفع التكلف عنه وهو مراد المعترض . قوله : ( أو للمشاكلة فإنّ النصارى الخ ) هذا راجع إلى الوجه الأخير وهو معنى التطهير لا للوجوه كلها كما قيل فعبر عن التطهير عن دون الشرك بالصبغ مشاكلة فإنّ النصارى كانوا يصبغون أولادهم بماء أصفر يعتقدون أنه تطهير للمولود كالختان « 1 » لغيرهم فأطلق الصبغ على التطهير بالإيمان للمشاكلة فإنّ المشاكلة كما تجري بين القولين تجري بين قول وفعل أيضا كما تقول إذا رأيت شخصا يغرس
هامش
( 1 ) أخرجه الواحدي في « أسباب النزول » 71 عن ابن عباس .