انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم كما قال عليه الصلاة والسلام : ألا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم
وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
شرح
ليس ما كسبت إلا لها وليس ما كسبتم إلا لكم ومآله أنه ليس لكل إلا ما كسب ، ألا تراك لو قلت ليس العلم إلا لزيد وليس المال إلا لعمرو ردّ المعتقد التشريك أو العكس لزم منه أنه ليس لزيد إلا العلم وليس لعمرو إلا المال لأنّ كل جملة مستلزمة لعكس الأخرى كما مرّ في البيت المنسوب لعليّ كرم اللّه وجهه ولهذا قال : يشعر ولم يقل يدل أو يصرح ويكون صدر هذه الآية كقوله تعالى :وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى[ سورة النجم ، الآية : 39 ] وآخرها كقوله تعالى :وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى[ سورة فاطر ، الآية : 18 ] وعكس هنا لمناسبة افتخارهم بآبائهم فإن قلت قد وقع في الآيات والأحاديث الانتفاع والتضرر بفعل الغير كقوله تعالى :مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً[ سورة المائدة ، الآية : 32 ] « ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها » « 1 » ( قلت ) قيل إنه منسوخ بقوله تعالى :وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى[ سورة النجم ، الآية : 39 ] ونقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وقيل : إنه من طريق لعدل وأمّا من طريق الفضل فقد يثاب كما يؤاخذ بالسبب وقال المصنف رحمه اللّه :
في غير هذا الموضع كما لا يؤاخذ بذنب الغير لا يثاب بفعله وما في الأخبار إنّ الصدقة والحج ينفعان الميت فلكون الناوي كالنائب عنه وكلامه هنا يشير إليه وسيأتي تحقيقه في محله .
قوله : ( لا يأتيني الناس بأعمالهم الخ ) « 2 » ، قال العراقيّ رحمه اللّه : لم أقف عليه ، وقال السيوطيّ : خرجه ابن أبي حاتم من مرسل الحكم بن مينا أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يا معشر قريش إنّ أولى الناس بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم المتقون فكونوا أمما بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي » « 3 » وهذا بمعناه قال النحرير رواه الجمهور يأتيني بالتخفيف فهو خبر في معنى النهي كما تقول النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا وتأتوني منصوب على أنّ الواو للصرف والنون للوقاية وقد حذفت نون الإعراب أي لا يكن من الناس الإتيان بالأعمال ومنكم بالأنساب وأمّا على رواية التشديد فهو صريح نهي ، وقوله : الضمير الغائب هو بمعنى ضمير الغائب ومرّ ما في الآية من اللف والنشر وقوله : نكون الخ وقيل : إنه منصوب على الإغراء أي الزموا ملّة إبراهيم وقيل : منصوب بنزع
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 1017 والترمذي 2675 والنسائي 5 / 75 - 77 وابن ماجة 203 وأحمد 4 / 357 - 358 والطيالسي 670 وابن أبي شيبة 3 / 109 - 110 وابن حبان 3308 والبغوي 1661 والبيهقي 4 / 175 - 176 كلهم من حديث المنذر بن جرير عن أبيه ، وهو عجز حديث .
( 2 ) هو بعض حديث أخرجه الحاكم بنحوه 4 / 73 عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي ، عن أبيه ، عن جده أن رسول اللّه قال لعمر بن الخطاب : « يا عمر اجمع لي قومك . . . لا يأتين الناس بالأعمال وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم . . . » صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي .
( 3 ) غريب بهذا السياق وانظر ما قبله .