ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا حسما لمادّة الفساد
وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
أي جهلة
شرح
قضى كما مرّ وسرعة إيجاده إياه من غير امتناع ولا توقف بحالة أمر الآمر النافذ تصرفه في المأمور المطيع الذي لا يتوقف في الامتثال فأطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في ذلك من غير أن يكون هنا قول وأمر فهو استعارة تمثيلية ، وذهب بعضهم إلى أنها استعارة تحقيقية تصريحية ورده النحرير وسيأتي ما فيه ، وقوم إلى أنه حقيقة وأنّ السنة الإلهية جرت بأنه تعالى يكوّن الأشياء بكلمة كن ويكون المأمور هو الحاضر في العلم والمأمور به الدخول في الوجود وكأنّ مراده أنّ اللفظ موجود حقيقة وإلا فهذا الأمر تسخيريّ وهو مجاز أيضا ووجه تقريره للإبداع أنّ هذه السرعة تقتضي عدم التوقف على المادّة ، وكون الولد يقتضي ما ذكر مما جرت به العادة وقوله : بفتح النون يعني به النصب والفتح يستعمل في البناء وإذا أضيف إلى الحرف دون الكلمة يراد ذلك أيضا للفرق بين فتح الكلمة وفتح الحرف وقراءة النصب قراءة ابن عامر رحمه اللّه وقد أشكلت على النحاة حتى تجرأ بعضهم عليه وقال إنها خطأ وهو سوء أدب والرفع على الاستئناف أي فهو يكون وهو مذهب سيبويه رحمه اللّه ، وذهب الزجاج إلى عطفه على يقول وأمّا النصب فقيل : إنه روعي فيه ظاهر اللفظ لصورة الأمر فنصب في جوابه ولو نظر إلى المعنى لم يصح لأنّ الأمر ليس حقيقيا فلا ينصب جوابه ، ولأنّ من شرطه أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحو ائتني فأكرمك إذ تقديره إن تأتني أكرمتك وهنا لا يصح هذا إذ يصير التقدير إن يكن يكن فيتحد فعلا الشرط والجزاء معنى وفاعلا ولا بدّ من تغايرهما لئلا يلزم كون الشيء سببا لنفسه لكن المعاملة اللفظية على التوهم واقعة في كلامهم ، وقال ابن مالك رحمه اللّه : إن أن الناصية قد تضمر بعد إنما لإفادتها النفي وقد قالت العرب إنما هي ضربة من الأسد فتحطم ظهره بنصب تحطم ولك أن تقول إنها منصوبة في جواب الأمر والاتحاد فيه المذكور مردود لأنّ المراد أن يكن في علم اللّه وإرادته يكن في الخارج كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله » « 1 » أي من كانت هجرته عملا ونية فهجرته ثوابا وقبولا ، وكون الأمر غير الحقيقي لا ينصب في جوابه ممنوع فإن كان بلفظ كما ذهب إليه كثير من المفسرين فظاهر ولكنه مجاز عن سرعة التكوين كما مرّ فيكُونُوا قِرَدَةً *وإن لم يعتبر ذلك فهو مجاز عن إرادة سرعة التكوين فيكون استعارة تبعية يترتب عليها وجوده سريعا فالتقدير أن يرد سرعة وجود شيء يوجد في الحال فالتغاير ظاهر ومنه تعلم أنّ عدم الذهاب إلى التمثيل له وجه خلافا لمن ردّه ثم بين السبب في غلط الكفرة في نسبة الولد بأنه في لسانهم الأب مشترك بين المبدئ الموجد ومعناه المعروف وهذا ملخص من كلام الإمام رحمه اللّه . قوله : ( أي جهلة المشركين
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 1 - 54 - 2529 - 3898 - 5070 - 6689 - 6953 ومسلم 1907 وأبو داود 2201 وأحمد 1 / 25 وابن الجارود ( 64 ) وابن حبان 388 - 389 والبيهقي في « السنن » 1 / 41 كلهم من حديث عمر بن الخطاب ولفظ البخاري « إنما الأعمال بالنّيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو إلى امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه » .