تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
أَمْراً
أي أراد شيئا وأصل القضاء إتمام الشيء قولا كقوله وقضى ربك أو فعلا كقوله تعالى :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
[ سورة فصلّت ، الآية : 12 ] وأطلق على تعلق الإرادة الإلهية بوجود الشيء من حيث إنه يوجبه
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
من كان التامّة أي إحدث فيحدث وليس المراد به حقيقة أمر وامتثال بل تمثيل حصول ما تعلقت به ارادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف وفيه تقرير لمعنى الإبداع وإيماء إلى حجة خامسة وهو أنّ اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة وفعله تعالى يستغني عن ذلك وقرأ ابن عامر فيكون بفتح النون واعلم أنّ السبب في هذه الضلالة أنّ أرباب الشرائع المتقدّمة كانوا يطلقون الأب على اللّه تعالى باعتبار أنه السبب الأوّل حتى قالوا إنّ الأب هو الرب الأصغر واللّه سبحانه وتعالى هو الأب الأكبر ثم ظنت الجهلة منهم أنّ المراد به معنى الولادة فاعتقدوا ذلك تقليدا
شرح
زمان فهو أعلى مرتبة من التكوين والإحداث لأنّ التكوين إيجاد عن مادّة والإحداث أن يكون مع الشيء وجود زمانيّ وكل واحد منهما يقابل الإبداع من وجه والإبداع أقدم منهما لأنّ المادّة لا يمكن أن تحصل بالتكوين والزمان لا يمكن أن يحصل بالأحداث لامتناع كونهما مسبوقين بمادّة أخرى وزمان آخر انتهى وكلام المصنف رحمه اللّه يقتضي فرقا آخر وهو أنّ الإبداع الإيجاد الدفعي من غير مادّة لأنه معنى الاختراع والصنع الإيجاد عن مادّة وهي العنصر الذي فيه صورته كالسرير والخشب والتكوين إيجاد من مادّة خلعت عنها صورتها الأولى التي هي صورة أخرى في زمان كالإحداث لكن أورد عليه أنه كيف يكون إيجاد السماوات لا عن مادّة وقد كانت دخانا كما صرّح به في الآيات وكيف يكون دفعيا وقد خلقت في ستة أيام فكأنه حمل ذلك على التمثيل لمناسبة ما بعده فتأمّل . قوله : ( أي أراد شيئا وأصل القضاء الخ ) القضاء فصل الحكم في الشيء قولا وهو ظاهر أو فعلا وهو إيجاده ولما كان ذلك يستلزم الإرادة أطلق عليها فعلم أنه يستعمل بمعنى الإيجاد ويقابله القدر بمعنى التقدير وقد يعكس ذلك قال ابن السيد : قدّره اللّه وقدره قضاؤه ومنهم من يفرق بين قدر اللّه وقضائه فيجعل القدر تقديره الأمور قبل أن تقع والقضاء إنفاذ ذلك القدر وخروجه من العدم إلى حدّ الفعل وهذا هو الصحيح لأنه قد جاء في الحديث أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مرّ بكهف مائل للسقوط فأسرع المشي حتى جاوزه فقيل له أتفرّ من قضاء اللّه فقال أفرّ من قضائه تعالى إلى قدره « 1 » ففرق صلى اللّه عليه وسلم بين القضاء والقدر وبين أنّ الإنسان يجيب أن يتوقى انتهى . قوله : ( ومن كان التامّة الخ ) وهي تدل على معنى الناقصة لأنّ الوجود المطلق أعمّ من وجوده في نفسه أو في غيره مع أنها الأصل فلا يقال : إنّ اللّه كما يفيض الوجود في نفسه للأشياء يفيض الوجود لغيره وهو إنما يكون بأن يقول للشيء كن كذا ، ووجه التمثيل فيه أنه شبهت الحالة التي تتصوّر من تعلق إرادته تعالى بشيء من المكوّنات الدال عليها قوله :
هامش
( 1 ) لم أجده وقد ورد شيء من هذا عن عمر في خبر الطاعون لما جاء إلى الشام والقصة معروفة وأما المرفوع فأمارة الوضع ظاهرة عليه .
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 374 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي