وعن ابن عباس أنه منسوخ بآية السيف وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فيقدر على الانتقام منهم
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالقة واللجأ إلى اللّه تعالى بالعبادة والبر
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ
كصلاة وصدقة وقرىء تقدموا من أقدم
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
أي ثوابه
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
لا يضيع عنده عمل وقرىء بالياء فيكون وعيدا
وَقالُوا
عطف على ودّ والضمير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
لف بين
شرح
لم يعرف تعدي حسد وودّ بمن فهو مستقرّ أي حسدا وودّا كائنا من عند أنفسهم وقيل : إنه مرادهم هنا والتعلق معنويّ وهو معمول معموله فكأنه معموله وكثيرا ما يريدون ذلك ، وقيل :
إنه على الأوّل لغو ومن ابتدائية وعلى الثاني مستقرّ وكلام المصنف رحمه اللّه ظاهر فيه ، وقوله : بالغا مستفاد من كونه من عند أنفسهم إذ هو ذاتيّ لهم راسخ كالطبيعي ، وما قيل : إنه مستفاد من كونه داعيا لأهل الكتاب إلى محبة كفرهم أو من التنكير بعيد غير ظاهر وبتفسير العفو بترك العقوبة والصفح بترك التثريب بالمثلثة أي اللوم والتعيير وأصل معناه الإعراض بجانبه تبين حسن الترتيب قال الراغب : في مفرداته الصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح فمن قال ليس هذا معناه لغة وإنما حمله عليه بمقتضى المقام لم يصب .
قوله : ( وفيه نظر ) يعني أنّفَاعْفُوا وَاصْفَحُوا[ سورة البقرة ، الآية : 109 ] مقيدان بقوله حتى يأتي اللّه بأمره قال الإمام كيف يكون منسوخا وهو مغيا بغاية كقوله :أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ[ سورة البقرة ، الآية : 187 ] فإذا لم يكن ورود الليل ناسخا لم يكن إتيان الأمر ناسخا وأجاب بأنّ الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم يخرج ذلك الوارد من أن يكون ناسخا فيحل محل اعفوا واصفحوا حتى أنسخه لكم ، قال الطيبي : ويؤيده حكم التوراة والإنجيل أنه ذكر فيهما انتهاء مدّة حكمهما بإرسال النبيّ الأميّ صلى اللّه عليه وسلم قال تعالى :الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ[ سورة الأعراف ، الآية : 157 ] مع أنّ ظهوره صلى اللّه عليه وسلم نسخ لهما والحاصل أنّ هذا القدر من التقييد لا ينافي النسخ وإنما ينافيه التقييد بمعنى تعيين وقت الحكم الأول كما في آية الصوم وأجيب أيضا بأنّ ابن عباس رضي اللّه عنهما لعله يحمل الإتيان بالأمر على إماتتهم أو على إقامة الساعة كقوله تعالى :أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ[ سورة النحل ، الآية : 1 ] واعترض على الطيبي بأنه غفل عما تقرّر في الأصول حيث أنكر بعضهم النسخ وقال الشريعة المتقدّمة مؤقتة إلى وقت ورود الشريعة المتأخرة إذ ثبت في القرآن أنّ موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بشرا بشرع محمد صلى اللّه عليه وسلم وأوجبا الرجوع إليه عند ظهوره ، وإذا كان الأوّل مؤقتا لا يسمى الثاني نسخا فأجابوا عنه بأنا لا نسلم أنّ بشارة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بشرع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وإيجابهما الرجوع إليه يقتضيان توقيت أحكام التوراة والإنجيل لاحتمال أن يكون الرجوع إليه لأنه مفسر أو مقرّر فمن أين يلزم التوقيت بل