الْعَظِيمِ
اشعار بأنّ النبوّة من الفضل وأنّ حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها
نزلت لما قال المشركون أو اليهود ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه والنسخ في اللغة إزالة الصورة عن الشيء وإثباتها في غيره كنسخ الظل الشمس والنقل ومنه التناسخ ثم استعمل لكل واحد منهما كقولك نسخت الريح الأثر ونسخت الكتاب ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو الحكم المستفاد منها أو بهما جميعا وانساؤها إذهابها عن القلوب وما شرطية
شرح
المضمر وكذا أقيم اللّه مقام ضمير ربكم لأنّ تخصيص من يشاء بالرحمة يناسب الألوهية كما أنّ إنزال الخير يناسب الربوبية وعدم الوجوب مستفاد من قوله من يشاء وهذا رد على الحكماء في قولهم إنّ النبوّة بتصفية الباطن ، وعلى المعتزلة في قولهم بوجوب الأصلح على اللّه لأنّ الواجب إمّا عبارة عما يستحق تاركه الذمّ كما قال بعض المعتزلة أو عما تركه يخل بالحكمة كما قاله بعض آخر أو ما قدّر اللّه تعالى على نفسه أن يفعله ولا يتركه وإن كان تركه جائزا كما اختاره بعض الصوفية والمتكلمين كما يشير به ظواهر الآيات والأحاديث مثل قوله تعالى :ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ[ سورة الغاشية ، الآية : 26 ] والأوّل باطل لأنه تعالى مالك على الإطلاق والمتصرف في ملكه كيف يشاء فلا يتوجه إليه الذم أصلا على فعل من الأفعال بل هو المحمود في كل أفعاله وكذا الثاني لأنا نعلم إجمالا أنّ جميع أفعاله تتضمن الحكم والمصالح ولا يحيط علمنا بحكمته والمصلحة فيه على أنّ التزام رعاية الحكمة والمصلحة لا يجب عليه تعالى :لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ[ سورة الأنبياء ، الآية : 23 ] وكذا الثالث لأنه إن قيل : بامتناع صدور خلافه عنه تعالى فهو ينافي ما صرح به في تعريفه من جواز الترك وإن لم يقل به فات معنى الوجوب إذ حينئذ يكون محصله أنه تعالى لا يتركه على طريق جري العادة وليس ذلك من الوجوب في شيء بل يكون إطلاق الوجوب عليه مجرّد اصطلاح . قوله : ( نزلت الخ ) وانتظامها مع ما قبلها لأنّ النسخ بخير منها من الفضل العظيم ، ولأنّ ما نسخ بخير من الخير .
قوله : ( والنسخ في اللغة إزالة الصورة الخ ) قال الراغب : النسخ إزالة شيء بشيء يعقبه كنسخ الشمس الظل والظل الشمس والشيب الشباب فتارة يفهم منه الإزالة وتارة يفهم منه الإثبات وتارة يفهم منه الأمران ونسخ الكتاب إزالة الحكم بحكم يعقبه قال تعالى :ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍالخ قيل : معناه ما نزيل العمل بها أو نحرّفها عن قلوب العباد وقيل : معناه ما نوجدها وننزلها من نسخت الكتاب ، وننسأها أي نؤخرها ولم ننزلها ونسخ الكتاب نقل صورته المجرّدة إلى كتاب آخر وذلك لا يقتضي إزالة الصورة بل يقتضي إثبات مثله في مادة أخرى كإيجاد نقش الخاتم في شموع كثيرة اه . فأشار إلى معنى الإزالة والإثبات معا أوّلا ، ومثله بنسخ الظل للشمس فإنّ صورة الضوء زالت عنه إلى غيره والراغب جعله مثالا للإزالة فقط وهو أظهر وليس من الإضافة إلى المفعول كما توهم ، والظاهر أنّ الصورة فيهما واحدة ، فما قيل : إنّ الصورة المثبتة أعم من الصورة الأولى وغيرها خلاف الظاهر وقوله : والنقل أي نقل الكتاب