أشركوا وإفرادهم بالذكر للمبالغة فإنّ حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة والزيادة في التوبيخ والتقريع فإنه لما زاد حرصهم وهم مقرّون بالجزاء على حرص المنكرين دلّ ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار ويجوز أن يراد وأحرص من الذين أشركوا فحذف أحرص لدلالة الأوّل عليه وأن يكون خبر مبتدأ محذوف صفته
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
على أنه أريد بالذين أشركوا اليهود لأنهم قالوا عزير ابن اللّه أي ومنهم ناس يودّ أحدهم وهو على الأوّل بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف
لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
حكاية لودادتهم ولو بمعنى ليت وكان أصله لو أعمر فأجرى على الغيبة لقوله يودّ كقولك حلف باللّه ليفعلن
وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ
الضمير لأحدهم وأن يعمر فاعل مزحزحه أي وما
شرح
بعض من المضاف إليه بخلاف مجرور من فإنه غيره ألا ترى إلى صحة قولنا زيد أفضل من الجن ولا يقال أفضل الجن اه . وأجيب بأنّ مدخول من التفضيلية يجوز أن يكون كلاكما قال صاحب الإقليد تقول زيد أفضل من القوم ثم تحذف من وتضيفه والمعنى على إثبات من وفيه نظر . قوله : ( وإفرادهم بالذكر الخ ) يعني أنهم داخلون في الناس فتخصيصهم بالذكر إمّا لشدّة حرصهم أو لتوبيخ اليهود بأنّ حرصهم هذا يدل على خلاف مدّعاهم . قوله : ( ويجوز أن يراد وأحرص من الذين الخ ) يعني حذف أفعل المعطوف على الأوّل ودل عليه بذكر متعلقه ، والوجه الثالث أن يكون الجارّ والمجرور خبرا مقدّما لمبتدأ محذوف وجملة يودّ صفته الموصوف إذا كان بعض اسم مجرور بمن أوفى مقدّم عليه حذف نحو منا ظعن ومنا أقام أي فريق ظعن وفريق أقام وعلى الأوّل المراد بالذين أشركوا المشركون المعروفون غير اليهود وقيل : هم المجوس ، وعلى الثالث اليهود لأنهم مشركون لقولهم عزير ابن اللّه وإنما فسره به ليرتبط الكلام بعضه ببعض والجملة على هذا في محل رفع صفة المبتدأ وعلى ما قبله مستأنفة لا محل لها من الإعراب وأما القول بأنّ من الذين مبتدأ لتأويله ببعض الذين فقد علم حاله مما مر . قوله :
( حكاية لودادتهم ولو بمعنى ليت ) أي حكاية لها بيود لأنه وإن لم يكن قولا ولا في معناه لكنه فعل قلبيّ يصدر عنه الأقوال فعومل معاملتها وكان الظاهر أن يعمر وهذا بناء على أنّ لو التي للتمني ليست مصدريّة ، وأمّا على القول بأنها مصدرية فلا يحتاج إلى اعتبار الحكاية وكونها للتمني مذهب ذهب إليه الزمخشريّ ، وقيل : هي لو الشرطية أشربت معنى التمني وقال ابن مالك رحمه اللّه هي المصدرية ، وقال : قول الزمخشريّ قد تجيء في معنى التمني نحو لو تأتيني فتحدّثني بالنصب إن أراد أنّ الأصل وددت لو تأتيني الخ . فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه فأشبهت ليت في الأشعار بمعنى التمني فصحيح وإن أراد أنها حرف وضع للتمني كليت فممنوع ، وقوله : لقوله يودّ أي هو لمشاكلة ذلك ومنه تعلم أنّ التجوّز في المشاكلة قد يكون في الهيئة فقط وقد مر نظيره . قوله : ( كقولك حلف باللّه ليفعلنّ ) كان الأصل لأفعلنّ لكن لما كان حلف ماضيا جاء ما بعده على نهجه قال في البديع : اعلم أنك إذا أخبرت عن يمين حلف بها فلك فيه ثلاثة أوجه ، أحدها أن يكون بلفظ الغائب كأنك تخبر عن شيء كأن تقول استحلفته