الموت عليّ وقال عمار رضي اللّه تعالى عنه بصفين الآن ألاقي الأحبة محمدا وحزبه وقال حذيفة حين احتضر جاء حبيب على فاقة لا أفلح من قد ندم أي على التمني سيما إذا علم أنها سالمة له لا يشاركه فيها غيره
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
من موجبات النار
شرح
ولذا قال : اشتاقها وقد يتعدى بإلى ، وقيل : يتضمن النزاع وقوله : وأحب التخلص قال الراغب : المحبة داعية إلى الشوق والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب ومحبة لقائه داعية لسلوك السبيل إليه ولا طريق له سوى الموت فيتمنى لذلك . قوله : ( كما قال عليّ رضي اللّه عنه لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت عليّ ) أخرجه ابن عساكر في تاريخه كما نقله السيوطيّ وفي الكشاف أنّ عليا رضي اللّه عنه طاف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن :
ما هذا بزيّ المحاربين فقال : يا بنيّ لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت لكنه قال : في ربيع الأبرار خفق عليّ رضي اللّه عنه نعاسا ليلة حرب الجمل فقال له مسلم بن عقيل ابن أبي طالب : أتخفق نعاسا في مثل هذا الوقت يا أمير المؤمنين فقال : اسكت يا ابن أخي فإنّ عمك لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه وإنّ لعمك يوما لا يعدوه « وقد أخبر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » « 1 » . وهذه قصة أخرى فلا يقال إنه حينئذ لا يناسب المقام لأنّ عدم مبالاته رضي اللّه عنه ليس لاشتياقه إلى الجنة بل لعلمه رضي اللّه عنه أنه لا يموت في ذلك الوقت وسقوطه على الموت مباشرته لأسبابه المفضية إليه مع علم بها وسقوط الموت عليه مفاجأته له . قوله : ( وقال عمار رضي اللّه عنه بصفين الخ ) صفين بصاد مهملة مكسورة وفاء مكسورة مشددة موضع قرب الرقة على شاطئ الفرات وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين في غرّة صفر بين عليّ كرّم اللّه وجهه ومعاوية رضي اللّه عنه وفيها استشهد عمار بن ياسر الصحابي رضي اللّه عنه وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال لعمار رضي اللّه عنه : « تقتلك الفئة الباغية » « 2 » فقال ذلك في وقت الحرب لأنه علم أنه يستشهد وتلاقي روحه في حظيرة القدس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم فاشتاق لذلك ونادى به فرحا . وقال حذيفة بن اليمان الغساني وهو محتضر يشاهد الموت : جاء حبيب أي الموت ، وقيل : أراد لقاء اللّه ، على فاقة أي احتياجي إليه ثم قال : لا أفلح من قد ندم يريد أني تمنيته فلما جاء ما ندمت فعمم وقال لا أفلح الخ . وهذا يحتمل الدعاء أيضا قال أبو الحسن : تقول العرب لا أفلح من ندم يريدون من ندم فلا أفلح وهذا أخرجه ابن سعد في طبقاته وصححه ، وقوله سيما متعلق بقوله اشتاقها وحذف لامس سيما ولو
هامش
( 1 ) يشير المصنف لما أخرجه البخاري 3609 - 3935 ومسلم 4 / 2214 ( 17 ) وأحمد 2 / 530 وابن حبان 6734 والبغوي 4244 والبيهقي 8 / 172 كلهم من حديث أبي هريرة ولفظه « لا تقوم الساعة حتى تقتتل فتئان عظيمتان ، بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة » .
( 2 ) أخرجه مسلم 2916 - 73 وأحمد 6 / 289 - 300 - 315 والطيالسي 1598 النسائي في « فضائل الصحابة » 170 وابن سعد 3 / 252 - 251 وابن حبان 6736 والطبراني 23 / 852 - 854 والبغوي 8 / 189 والبيهقي في « السنن » 8 / 189 كلهم من حديث أم سلمة بلفظ « تقتل عمّارا الفئة الباغية » .