منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
مغشاة بأغطية خلقية لا يصل إليها ما جئت به ولا تفقهه مستعار من الأغلف الذي لم يختن وقيل : أصله غلف جمع غلاف فخفف والمعنى أنها أوعية العلم لا تسمع علما إلا وعته ولا تعي ما تقول أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
ردّ لما قالوه والمعنى أنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق ولكن اللّه خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لخلل فيه بل لأنّ اللّه خذلهم بكفرهم كما قال تعالى :
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
[ سورة محمد ، الآية : 23 ] أو هم كفرة ملعونون فمن أين لهم دعوى العلم والاستغناء عنك
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
فإيمانا قليلا يؤمنون وما مزيدة للمبالغة في التقليل وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل أراد بالقلة العدم
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
يعني القرآن
شرح
بالقتل أعم من القتل بالفعل والعزم عليه ، وهو تكلف لا حاجة إليه لأنه عليه الصلاة والسلام قتل بالسم حقيقة . ويصح استقبال تقتلون بالنظر إلى ما قبله من التكذيب وفيه أنّ قتل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالسم لنيل مرتبة الشهادة « 1 » لم يكف وقت نزول الآية فلا يفيد الحمل عليه دفع التكلف ، وقصة السحر وسم اليهود له شاة وأكله منها مذكورة في الصحيحين وستأتي الأولى في المعوّذتين .
قوله : ( مغشاة بأغطية خلقية ) فهو جمع أغلف وسكونه على الأصل كأحمر وحمر وهو ذو الغلفة الذي لم يختن ويقال قلفة وقلفة أيضا والمعنى أنّ قلوبنا لا يصل إليها ما تقول فتفهمه لأنها منعت منه لما خلقت عليه ، وهذا كقوله :وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ[ سورة فصلت ، الآية : 50 ] أو أصله غلف بضم اللام جمع غلاف ككتاب وكتب فسكن للتخفيف ، وقرئ على الأصل في الشواذ والمراد أنها أوعية العلم المملوءة به وحينئذ فلا تعي ما تقول لأنه ليس من المعلوم أو أنه منها ولكنها لا حاجة لها فيه إذ عندها ما يكفيها فالتفاسير ثلاثة ، وقوله :
بل لعنهم اللّه الخ ردّ له ، وبينه المصنف رحمه اللّه على التفاسير الثلاثة واللعن الطرد عن رحمة اللّه ومعنى خذلان اللّه لهم بكفرهم أنه تعالى جعلهم كفارا غير مستعدّين لقبول الحق وأنه بفعله تعالى وإحداثه فيهم ، وقد غير عبارة الزمخشريّ المبنية على مذهبه وبقية كلامه ظاهر . قوله :
( فإيمانا قليلا الخ ) وما مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأنّ ما في حيزها لا يتقدّمها ولأنه وإن كان بمعنى لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثير لكن ربما يوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيرا وأمّا المصدرية فلا مجال لها وإنما لم يجعل قليلا من صفة الأحيان كما في قليلا ما يشكرون لأنهم لم يؤمنوا قط نعم إذا كانت القلة بمعنى العدم فهو محتمل كذا قيل : وقد جوّز في قليلا أن يكون حالا أي يؤمنون حال كونهم جميعا قليلا أي المؤمن منهم قليل ، وقد
هامش
( 1 ) يشير المصنف لما أخرجه البخاري 4428 والحاكم في المستدرك 3 / 58 من حديث عائشة ؛ ولفظ البخاري « يا عائشة ما أزال أجد ألم الطّعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم » .