استجرّه إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلا إلى المعاصي مستحسنا إياها معتقدا أن لا لذة سواها مبغضا لمن يمنعه عنها مكذبا لمن ينصحه فيها كما قال سبحانه وتعالى :
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ
[ سورة الروم ، الآية : 10 ] وقرأ نافع خطيآته وقرىء خطيته وخطياته على القلب والإدغام فيهما
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ
ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا
وَهُمْ فِيها خالِدُونَ
دائمون أو لابثون لبثا طويلا والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة وكذا التي قبلها
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
جرت عادته سبحانه وتعالى على أن يشفع وعده بوعيده لترجي رحمته ويخشى عذابه وعطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
إخبار في معنى النهي
شرح
المختار في الإيمان المنجي كما مر . قوله : ( وتحقيق ذلك الخ ) ومنه يعلم وجه ذكر كسب السيئة وتقديمها ومن لم يتنبه له قال كان يكفي من أحاطت خطيئته عنه وقوله : مستحسنا بصيغة الفاعل ، ومنه يعلم وجه آخر على طريق الإدماج لإطلاق الكسب عليها كما مر ، وقوله : وتأخذ بمجامع الخ كان الظاهر أخذت أو فتأخذ بالفاء ، وقراءة الجمع وقلب الهمزة ياء وإدغامها ظاهر لكنهم استحسنوا قراءة الجمع لأن الإحاطة لا تكون بشيء واحد . قيل : ولذلك فسرها المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله : استولت وشملت مع أنّ الخطيئة وإن كانت مفردة لكنها لإضافتها متعدّدة كقوله :وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ[ سورة النحل ، الآية : 18 ] مع أنّ الشيء الواحد قد يحيط كالحلقة فتأمّل . قوله : ( ملازموها الخ ) الصحبة وإن شملت القليل والكثير لكنها في العرف تختص بالكثرة والملازمة ، ولذا قالوا لو حلف من لاقى زيدا أنه لم يصحبه لم يحنث ، والخلود لما كان معناه لغة مطلق اللبث الطويل بل سواء الخلود المعروف وغيره ، فإن كانت الخطيئة بمعنى الكبيرة فالخلود بالمعنى الأوّل ، وإن كانت الشرك فالثاني فلا دلالة لها ولا لما قبلها من قوله فويل الخ على ما ذكر لاحتمالها لهذا ، وقيل : لأن تحريف كلام اللّه وأخذ ما ذكر كفر لا كبيرة ، وقيل : المراد بما قبلهابَلى مَنْ كَسَبَالخ فإنّ المعنى بلى تمسكم أبدا وهو خطأ لأنهما آية واحدة ، وقيل : إنه لا معنى له ولعله محرّف عن تليها أي تقع بعدها ، وهذا عذر أقبح من الذنب ومجرد الويل لا يدل على الخلود ، وهذا لا ينافي ما سبق في تفسير قوله :فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَمن الدلالة على أنّ عذاب النار دائم لأنه بواسطة ما يشهد له من الآيات والآثار في معنى الخلود وهذا بناء على مجرد مدلول لغة أو جواب جدليّ فافهم . قوله : ( جرت عادته سبحانه الخ ) قال الطيبي رحمه اللّه : في دخول الفاء في الأوّل دون هذا قال السخاوندي : تقول من دخل داري فأكرمه عدم دخول الفاء يقتضي إكرام من دخل لكن على خطر أن لا يكرم ، والذي دخل مع الفاء يكرم حقيقة الخ وهو كلام مختل لا محصل له وقيل الذكر الفاء فيما سبق وتركها هنا لأن ثمة موضع التأكيد لأن الوعيد مظنة الخلف دون