التقرير والتقريع
بَلى
إثبات لما نفوه من مساس النار لهم زمانا مديدا ودهرا طويلا على وجه أعم ليكون كالبرهان على بطلان قولهم وتختص بجواب النفي
مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً
قبيحة والفرق بينها وبين الخطيئة أنها قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على طريقة قوله :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ سورة آل عمران ، الآية : 21 ]
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
أي استولت عليه وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأنّ غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط الخطيئة به ولذلك فسرها السلف بالكفر وتحقيق ذلك أنّ من أذنب ذنبا ولم يقلع عنه
شرح
مبتدأ محذوف ولا يصح فيها الاتصاف في المثا لعدم تقدّم الاستفهام فتأمل ، والتقريع التوبيخ والتقرير هنا بمعنى التثبيت . قوله : ( بلى إثبات الخ ) بلى حرف جواب كجير ونعم إلا أنها تقع جوابا لنفي متقدّم سواء دخله استفهام أم لا فيكون إيجابا له نحو ما قام فتقول بلى أي قد قام وقوله :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى[ سورة الأعراف ، الآية : 172 ] ولذا قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : لو قالوا نعم كفروا ، وأمّا قوله :أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك بنا تدانينعم وترى الهلال كما أراه * ويعلوها النهار كما علانيفقيل : ضرورة وقيل : نظرا إلى المعنى لأنّ الاستفهام إذا دخل على النفي قرره فما قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما « 1 » نظرا إلى الظاهر وبلى هنا ردّ لقولهم :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُأي بلى تمسكهم أبدا بدليل قوله :هُمْ فِيها خالِدُونَقاله الزمخشريّ . وقوله أبدا في مقابلة قوله أياما معدودة وهو تقدير حسن ولا فرق بينه وبين كلام المصنف رحمه اللّه خلافا لمن توهمه وهي بسيطة ، وقيل : أصلها بل فزيدت عليها الألف ، وقوله على وجه أعم يعني أنه لكل مكتسب لما ذكر من اليهود وغيرهم ليكون كالبرهان على الثبوت فيحقهم وأيضا هم أثبتوا تعذيب أيام وهو أثبت الخلود الأعمّ منها فلا يتوهم أنّ المعنى بل تمسكم أياما معدودة فإنه فاسد لفظا ومعنى .
قوله : ( سيئة قبيحة الخ ) هو فيعلة كسيدة أعلّ إعلاله وهي فيما يقصد بخلاف الخطيئة لكونها من الخطأ ، والكسب جلب النفع فهو هنا استعارة تهكمية ، وقيل : إنه عبر بالكسب لأخذهم الرشا المتقدّم أو أنه حقيقة على زعمهم أنه نافع لهم ولكل وجهة وقد في قوله قد يقال : للتكثير أو للتحقيق فلا يقال الصواب إسقاطها . قوله : ( أي استولت عليه وشملت الخ ) مرّ وجه الاستعارة ، ومعنى استولت غلبت عليه وعمت ظاهره وباطنه وقلبه ، وهذا لا يتصوّر في غير الكافر والسلف كمجاهد وغيره فسروا الخطيئة بالشرك ، وهذا ردّ على الزمخشريّ إذ فسرها بالكبيرة بناء على مذهب المعتزلة في أن صاحبها مخلد ، وزاد قوله وإقرار لسانه رعاية للمذهب
هامش
( 1 ) تقدم .