واشتمال المفضل على زيادة وأو للتخيير أو للترديد بمعنى أنّ من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى منها
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
تعليل للتفضيل والمعنى أنّ الحجارة تتأثر وتنفعل فإنّ منها ما يتشقق فينبع منه الماء ويتفجر منه الأنهار ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقياد لما أراد اللّه به وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره والتفجر التفتح بسعة .
وكثرة والخشية مجاز عن الانقياد وقرىء إن على أنها المخففة من الثقيلة ويلزمها
شرح
عطف مفرد على مفرد كما تقول زيد على سفر أو مقيم ولا حاجة إلى تقدير الزمخشريّ أو هي أشدّ . قوله : ( وإنما لم يقل أقسى الخ ) يعني أنّ فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر وقد ورد كقوله :كل خمصانة أرق من الخم * ر بقلب أقسى من الجلمودوهو وإن كان من العيوب لكنها باطنة لا ظاهرة فلا يمتنع صوغه منه كما توهم فلا حاجة إلى التوصل إليه بأشدّ فأجاب بأنّ أشدّ أبلغ من أقسى لدلالته على الزيادة بالمادة والهيئة فيدلّ على اشتداد القسوتين في المفضل والمفضل عليه ، أو أنّ المراد بأشدّ ليس التوصل بل التفضيل في الشدّة وقدّم الأوّل لأنه الأنسب المتبادر ويمكن أن يقال : إنه لظهوره الحق بالعيوب الظاهرة وهو حسن ، وأمّا الاعتراض بأن أشدّ محمول على القلوب لا على القسوة فليس بشيء لأنّ أصله قسوتهم أشدّ فحوّل . قوله : ( وأو للتخيير الخ ) لما كانت أو تستعمل للشك وهو عليه تعالى محال دفعه بأنه للتخيير وهو يكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر كما مرّ أو للترديد يعني أنّ الشك ليس راجعا إلى اللّه بل إلى من يعرف حالهم فإنه يمكنه أن يشبههم بالحجارة أو أشدّ منها فالشك بالنسبة إلى المخاطبين لا بالنسبة إلى المتكلم . قال العلامة : وهذا يؤدّي إلى تجويز أن تكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع حتى تستعمل إذا تحقق المخاطب وهذا إخراج للألفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره ولو جعلت بمعنى بل لكان أحسن وقيل : إنها للتنويع أي بعضهم كالحجارة وبعضهم أشدّ ، وقيل : معنى الترديد تجويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير . قوله : ( تعليل للتفضيل الخ ) عدل عن جعله بيانا للتفضيل كما في الكشاف لأنه يقتضي الفصل ومراده أنها جملة حالية مشعرة بالتعليل ومثله كثير ، وأمّا قول الشارح المحقق يريد أنه بيان وتقدير من جهة المعنى وأمّا بحسب اللفظ فعطف على جملة هيكَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّفلا يظهر وجهه وقوله تعالى :وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِالخ وارد على نهج التعميم دون الترقي ( كالرحمن الرحيم ) إذ لو أريد الترقي لقيل :وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُوَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُوفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعته وهو أبلغ من الترقي ، وكأنّ المصنف رحمه اللّه غافل عن هذا حيث جمع بينهما في البيان وقدّم الثاني ، فقال : فإنّ منها ما يتشقق فينبع منه الماء ويتفجر منه الأنهار