الإثبات مطلقا وقيل ماضيا والصحيح أنه كسائر الأفعال ولا ينافي قوله وما كادوا يفعلون قوله فذبحوها لاختلاف وقتيهما إذ المعنى أنهم ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم وانقطعت تعللاتهم ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
خطاب الجمع لوجود القتل فيهم
فَادَّارَأْتُمْ فِيها
اختصمتم في شأنها إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضا أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى صاحبه وأصله تدارأتم فأدغمت التاء في الدال
شرح
فقيل : هي في الإثبات نفي وفي النفي إثبات وأنه إذا قيل : كاد زيد يخرج فمعناه ما خرج وهو فاسد لأن معناها مقاربة الخروج وهو مثبت وأما عدمه فأمر عقليّ خارج عن مدلوله ، ولو صح ما قاله لكان قارب ونحوه كذلك ولم يقل به أحد وقيل : هي في الإثبات إثبات وفي النفي الماضي إثبات وفي المستقبل على قياس الأفعال تمسكا بهذه الآية ، ورد بأن المعنى وما قاربوا الفعل قبل أن يفعلوا وفعلهم بعد ذلك مستفاد من قوله فذبحوها فالصحيح أنها في الإثبات والنفي كغيرها من الأفعال ، وللشيخ عبد القاهر هنا كلام لطيف سيأتي تفصيله في سورة النور .
قوله : ( ولا ينافي قوله وما كادوا يفعلون الخ ) قيل : فيه إشكال لأنّ الظاهر أنّ قوله وما كادوا يفعلون حال من فاعل فذبحوها فتجب مقارنة مضمونة لمضمون العامل فلا يصح القول باختلاف وقتيهما ، والجواب أنهم صرحوا بأنه قد يقيد بالماضي فإن كان مثبتا قرن بقد لتقرّبه منه وإن كان منفيا لم يقرن بها لأن الأصل استمرار النفي فيفيد المقارنة ، وهذا لا يدفع السؤال لأنّ عدم مقاربة الفعل لا يتصوّر مقارنته للفعل هنا فلا محصل لما ذكره سوى التطويل بلا طائل فالذي ينبغي أن يعول عليه أنّ قولهم لم يكد يفعل كذا كناية عن تعسره وثقله عليهم وتبرّمهم به كما يدل عليه كثرة سؤالهم ومراجعتهم وهو مستمر باق قال ابن مالك رحمه اللّه في شرح التسهيل : قد يقول القائل لم يكد زيد يفعل ومراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضع له اللفظ وفي التسهيل ، وتأتي كاد إعلاما بوقوع الفعل عسيرا ولبعضهم هنا كلام محتل طويل الذيل . قوله : ( خطاب الجمع لوقوع القتل فيهم الخ ) وإذ قتلتم نفسا معطوف على إذ قال موسى ونفسا بمعنى شخصا حقيقة ، وقيل : إنه مجازا وبتقدير ذا نفس واسم المقتول عاميل بن شراحيل وقوله : لوجود القتل فيهم إشارة إلى أنه مجاز حيث أسند إلى الكل ما صدر من البعض كما صرح به الزمخشريّ في سورة مريم في قوله تعالى :وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا[ سورة مريم ، الآية : 66 ] قال لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم كما يقولون بنو فلان قتلوا فلانا وإنما القاتل رجل منهم لكن قال بعضهم : لا يحسن إسناد فعل أو قول صدر عن البعض إلى الكل إلا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو رضا منهم وليس كما قال : فإن ما ذكرناه من الآيتين ليس كذلك وقد ناقض هذا القائل نفسه في مواضع كثيرة نعم لا بد لإسناده إلى الكل من نكتة وهي إمّا كون الصادر عنه أكثرهم أو كونه برضاهم أو غير ذلك فتأمّل . قوله : ( اختصمتم في شأنها إذ المتخاصمان الخ ) أصل ادارأتم تدارأتم تفاعل من الدرء وهو الدفع فاجتمعت التاء مع الدال مع تقارب مخرجهما