موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعا في ميراثه وطرحوه على باب المدينة ثم جاؤوا يطالبون بدمه فأمرهم اللّه سبحانه وتعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله
قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً
أي مكان هزؤا أو أهله أو مهزوءا بنا أو الهزؤ نفسه لفرط الاستهزاء استبعاد لما قاله
شرح
بأن حذف من كل ذكر وطوى فيه ما يدل عليه الآخر على طريقة الاحتباك حتى يتأسس الكلام ويرتبط النظام ، ويأخذ بعضه بحجز بعض فطوى من الأولى بعضها إذ تقديره قال موسى عليه الصلاة والسلام وقد قتل قتيل وقع فيه التنازع إنّ اللّه يأمرهم أن تذبحوا بقرة تضربوه ببعضها فيحيا ويخبر بقاتله قالوا أتتخذنا هزوا الخ إذ مجرّد الأمر بذبح بقرة وتقريب قربان لا استهزاء فيه فذكر الاستهزاء ناشر لما طوى وأضمر في قوله فقلنا اضربوه ببعضها حين ثنيت القصة فقلنا اذبحوا بقرة موصوفة بما عرفتم فاضربوه ببعضها يحي الخ . وهذا معنى قول الكشاف كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديدا لما وجد منهم من الجنايات وتقريعا لهم عليها ولما جدّد فيهم من الآيات العظام وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك ، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض في تثنية التقريع وقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله : اضربوه ببعضها حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة وتحقيق مراده على هذا المنوال مما لا مرية فيه وإن لم يهتد إليه كثير من الفحول حتى قيل : لولا الفك والتقديم لم يحصل الفرض فإن قتل النفس بغير نفس والاختصام فيها من قبيل ما سبق من الاعتداء في السبت فإنّ في كل منهما ارتكاب المنهيّ بخلاف الاستهزاء بأمر اللّه وروادفه ، وما فعله المصنف رحمه اللّه أدق مما ذكره الزمخشريّ وبالقبول أحق ، ويمكن أن يناقش فيما ذكره بمنع توقف تثنية التقريع على فك الترتيب فإنه يحصل بتكرير التذكير وموقع ما في القصة من الجنايات فتأمل . قوله : ( وهو الاستهزاء بالأمر الخ ) لما سيأتي من قوله استخفافا به فلا يرد عليه أنّ المنقول عنهم في قوله أتتخذنا هزوا حمل الأمر على الاستهزاء لا الاستهزاء بالأمر وفرق بينهما . قوله : ( وقصته الخ ) في الكشاف كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله بنو أخيه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاؤوا يطالبون بديته الخ . وقيل عليه الصواب بنو عمه كما في التفاسير وكما قال بعد ذلك قتلني فلان وفلان لا بني عمه ومنهم من غير العبرة إلى فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه أي الشيخ ويدفعه ما في آخر القصة ولم يورّث قاتلي بعد ذلك لأنهم لم يقتلوا المورّث أي الشيخ فقيل :
ضمير يرثوه للابن ويكون قتل الابن بعد موت الشيخ ، ورد بأنه لا معنى لذكر الشيخ حينئذ إذ صارت القصة أنه كان رجل موسر فقتله بنو عمه ليرثه واعتذر له بأنّ الشيخ كان مشهورا بينهم