كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أيلة وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه فإذا مضى تفرّقت فحفروا حياضا وشرعوا فيها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد
فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
جامعين بين صورة القردة والخسوء وهو الصغار والطرد قال مجاهد ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ سورة الجمعة ، الآية : 5 ] وقوله كونوا ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه وإنما المراد به سرعة التكوين
شرح
فيه شيئا فلما اختاروه لترك سائر الأعمال نهوا فيه عن الاصطياد والعمل وأيلة قرية واسم بيت المقدس إيليا ، والخرطوم كزنبور ما ضم عليه الحنكان . قوله : ( وشرعوا فيها الجداول ) وفي نسخة إليها قال المحقق قيل : معنى شرعوا لظهورها من شرع من الدين كذا بين ولا يخفى بعده ، وقيل : جعل الجدول كالشارع المنتهى إليه وليس من اللغة والأحسن أشرعوا من شرع الباب إلى الطريق وأشرعته وشرع المنزل إذا كان بابه على الطريق النافذ اه . ( أقول ) في مفردات الراغب أشرعت الرمح قبله وقيل : شرعته فهو مشروع اه . فالصواب أنه منه ومعنى شرعوا الجداول جمع جدول وهو القناة جعلوها متصلة بها ومواجهة لها من غير تغيير ولا تكلف وقيل : من قولهم شرع بابا إلى الطريق أي فتحه كما نقل عن الخليل رحمه اللّه ( قلت ) :
وفي هذه الآية دليل على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا وبها احتج مالك رحمه اللّه تعالى على ذلك إذ لا تجوز عنده ، قال الكواشي : وجوّزها أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل وأجابوا عن تمسكهم بأنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهيّ عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها وفيه نظر وفي الكشاف فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم قيل : ذكره لتصحيح الظرفية في السبت للاعتداء ، وتركه المصنف رحمه اللّه لأنه مستغني عنه إذ المعنى في حكم السبت فتأمل . قوله : ( جا معين بين صورة القردة والخسوء الخ ) إشارة إلى أنهما خبران إذ لو كان الخبر الأوّل والثاني صفة لقردة القيل خاسئة ، وأما جعله كما في ساجدين على تشبيههم بالعقلاء أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء فلا حاجة إليه ولأنّ القردة خاسئة ذليلة فلا حاجة لتوصيفها به فيكون المراد أذلاء عند اللّه ، إذ قد يتوهم أنّ المسخ يكفي في عقوبتهم وقردة جمع قرد كفيلة وديكة وبفتح القاف وكسر الراء مثله ، والخسوء الصغار أي الذلة والطرد ، ويكون متعديا ولازما ومنه قولهم للكلب أخسأ وقيل : الخسوء كما في نسخة مصدر خسأ الكلب بعد ، وأما ذكر الطرد فلا ستيفاء معنى الخسوء لا لبيان المراد وإلا لكان الخاسئ بمعنى الطارد ، وفي القاموس الخاسئ من الكلاب والخنازير المبعد لا يترك أن يدنو من الناس . قوله : ( قال مجاهد الخ ) فيكون المقصود منه تشبيههم بالقردة والخنازير كقوله :إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى * فكن حجرا من يابس الصخر جلمداكما يقال : أنت لا تقبل التعلم فكن حمارا أي اذهب وكن شبيه حمار والأمر مجاز عن