وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم وقرىء قردة بفتح القاف وكسر الراء وخاسين بغير همز
فَجَعَلْناها
أي المسخة أو العقوبة
نَكالًا
عبرة تنكل المعتبر بها أي تمنعه ومنه النكل للقيد
لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها
لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذكرت حالهم في زبر الأولين واشتهرت قصتهم في الآخرين أو لمعاصريهم ومن بعدهم أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم وما تأخر
شرح
التخلية والترك والخذلان كما في قوله عليه الصلاة والسلام : « اصنع ما شئت » « 1 » وقد قرّره العلامة في تفسير قوله تعالى :لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا[ سورة العنكبوت ، الآية : 66 ] ولكن قال ابن جرير وغيره إن قول مجاهد رحمه اللّه تعالى خلاف الصحيح المشهور عن المفسرين من أنه مسخ حقيقيّ وكانوا إذا سبوا اليهود قالوا لهم يا إخوة الخنازير وليس تحويل الصورة بأعظم من إنشائها . قوله : ( كونوا ليس بأمر إذ لا قدرة عليه الخ ) هذا بناء على أنه مسخ حقيقي ولم يبينه لشهرته وظهوره من النظم والأمر عليه ليس تكليفيا بل تكوينيا كما في قوله تعالى :كُنْ فَيَكُونُ[ سورة يس ، الآية : 82 ] وهو مجاز أيضا أي لما أردنا ذلك صار من غير امتناع ولا لبث وفيه إظهار عظمته ونفاذ أمره ومشيئته وقوله : بغير همز يحتمل إبدالها ياء وحذفها . قوله : ( فجعلناها أي المسخة ) المفهومة من السياق وجوّز رجوعه لكينونتهم وصيرورتهم قردة والنكال واحد الإنكال وهي القيود ونكل به فعل به ما يعتبر به غيره فيمتنع عن مثله قاله الراغب . قوله : ( لما بين يديها وما خلفها لما قبلها الخ ) يعني أنّ المراد بما بين يديها من يأتي بعدها كما يقال : فلان بين يديك أي يأتيك وبما خلفها من يتقدّمها فكأنه قال نكالا للآتين والماضين فظرفا المكان استعيرا للزمان وما أقيمت مقام من إما تحقيرا لهم في مقام العظمة والكبرياء أو لاعتبار الوصف فإن ما يعبر بها عن العقلاء إذا أريد الوصف ، ومعنى قوله في زبر الأوّلين أي ذكر في كتبهم أنه تكون تلك المسخة فاعتبروا بها وصحت الفاء لأنّ جعلها نكالا للفريقين جميعا إنما يتحقق بعد القول والمسخ . قوله : ( أو لمعاصريهم الخ ) وهذا ظاهر ، والتوجيه للظرفية وما جار فيه أيضا لأنّ اللفظ ينبئ عن القرب وكون الجهة مدانية لجهة من أضيف إليه اليد وقد رجحوا هذا التفسير ، وقالوا : إنه هو المنقول عن السلف كابن عباس رضي اللّه عنهما . قوله : ( أو لما بحضرتها ) هذا هو الصحيح من النسخ ووقع في بعضها بحضورها ويحضرها وكأنه من النساخ ، وهذا أيضا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما والظرفية مكانية حينئذ والظاهر أن المراد من القرى أهلها وأنّ ما بمعنى من أيضا وقيل : إنها على هذا الوجه
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 3484 - 1316 وأبو داود 4797 وابن ماجة 4183 والطيالسي 621 وأحمد 4 / 121 - 122 وابن حبان 607 والبغوي في « شرح السنة » 3597 والبيهقي في « السنن » 10 / 192 كلهم من حديث أبي مسعود بلفظ : « إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت » .