تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب وموادّ كما أبدع نفوس الأسباب والموادّ ولكن له في إنشائها مدرجا من حال إلى حال صنائع وحكم يجدّد فيها الأولى الأبصار عبرا وسكونا إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إيجادها دفعة ومن الأولى للابتداء سواء أريد بالسماء لسحاب فإنّ ما علاك سماء أو الفلك فإنّ المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه الظواهر أو من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جوّ الهواء فتنعقد سحابا ماطرا ومن الثانية للتبعيض بدليل قوله سبحانه وتعالى :
فَأَخْرَجْنا
شرح
السموّ فلذا قالوا : إنّ أصل معناها لغة كل ما علا سواء كان فلكا أو سحابا أو نفقا ، وحقيقته في العرف يختص بالفلك فإن كان بهذا المعنى فهو ظاهر لأنه المتبادر منه على ما يقتضيه ظواهر الآيات والأحاديث لقوله تعالى :أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ[ سورة الزمر ، الآية : 21 ] وقوله :أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ[ سورة البقرة ، الآية : 19 ] وأمثاله وورد في الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم : « المطر ماء يخرج من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في السماء الدنيا في موضع يقال له الأبزم فتجيء السحاب السود فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها اللّه حيث شاء » « 1 » وهكذا ورد في أحاديث كثيرة ، وتأويلها بعيد من غير حاجة إليه ومن ذهب إلى خلافه أوّل الآيات بأنّ المراد أنها تنزل من السحاب ، وهو يسمي سماء لعلوه أو أنه ينشأ من أسباب سماوية وتأثيرات أثيرية فهو مبدأ مجازي له وإليه أشار المصنف رحمه اللّه وتفصيله كما في كتب الحكمة الطبيعية أنّ الشمس إذا سامتت بعض البحار والبراري أثارت من البحار بخارا رطبا ومن البراري بخارا يابسا والبخار أجزاء هوائية يمازجها أجزاء صغار مائية لطفت بالحرارة حتى لا تتمايز في الحس لغاية صغرها فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة تكاثف فإن لم يكن البرد قويا اجتمع ذلك البخار وتقاطر لثقله بالتكاثف فالمجتمع هو السحاب والمتقاطر المطر ، وإن كان قويا كان ثلجا وبردا وقد لا ينعقد سحابا ويسمى ضبابا ، وتثير مضارع أثار التراب والغبار إذا حركه حتى يرتفع ، وقوله من أعماق الأرض جمع عمق والمراد به داخلها والمراد بالأرض جهة السفل فيشمل البحار والأنهار لما عرفته مما قرّرناه لك فسقط ما قيل من أنه لا حاجة لهذا ، لأنّ الأكثر ارتفاعها من البحار والأنهار والجوهر ما بين الأرض والسماء لا الهواء نفسه حتى يكون من إضافة الشيء إلى نفسه فيحتاج إلى التأويل وإن كان هو أحد معانيه . قوله : ( من الثانية للتبعيض ) بخلاف الأولى وإن جوّز فيها على أنّ التقدير أنزل من مياه السماء لما فيه من التكلف وأقرب منه ما قيل إنها للسببية كقوله تعالى :مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا[ سورة نوح ، الآية : 25 ] وقوله بدليل قوله سبحانه وتعالى :فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ[ سورة فاطر ، الآية : 27 ] استشهاد بنظائره فإنّ التنكير في هذه الآية وتنوينه يدلّ على البعضية لتبادره منها لا سيما مع جموع القلة وقوله واكتناف المنكرين له أي وقوعهما قبله وبعده من الكنف بفتحتين وهو الجانب ويقال اكتنفه القوم إذا كانوا منه يمنة ويسرة
هامش
( 1 ) لم أجده ، وأمارة الوضع ظاهرة عليه ؛ والأشبه كونه ورد عن أهل الكتاب .