تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
تعالى ومشيئته ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في إخراجها ومادّة لها كالنطفة للحيوان بأن أجرى عادته بإفاضات صورها وكيفياتها على المادّة الممتزجة منهما أو أبدع في الماء قوّة فاعلة وفي الأرض قوّة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار وهو سبحانه وتعالى
شرح
جعل ما يجتذب كالنطفة إشارة إلى قوله في الكشاف ما سوّاه عز وجلّ من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار وفيه إيماء إلى قول الحكماء إنّ الأجرام العلوية كالآباء والسفلية كالأمهات التي تلد الموجودات وتربيها في مهد الوجود وكون النطفة مادّة وسببا ظاهر لأنها أصل الأجزاء وسبب ليكون ما عداها منعقدا معها كالمنشأ ، والمراد بالصور الأشكال ، والكيفيات هي الطعوم والألوان . قوله : ( أو أبدع في الماء قوّة فاعلة الخ ) يعني أنّ الباء على ما مر من مذهب أهل السنة للسببية العادية وعلى هذا وهو ما ذهب إليه الحكماء للسببية الحقيقية والإبداع الإيجاد وقد يطلق عندهم على إيجاد شيء غير مسبوق بمادّة ولا زمان كالإنشاء ويقابله التكوين ، والقوّة رسمت بأنها مبدأ الفعل مطلقا سواء كان الفعل مختلفا أو غير مختلف بشعور وإرادة أولا وقيل هي مبدأ التغير في آخر من حيث هو آخر وهذا هو المراد هنا ، وهي تنقسم إلى قوى طبيعية ونفسانية وما هنا من الطبيعية التي بلا شعور ، والمراد بنفوس الأسباب أعيانها وذواتها ، ومدرجا بكسر الراء حال من ضمير له أو من إنشائها وكونه مفعولا ثانيا للإنشاء بتضمينه معنى الجعل والتصيير تكلف ما لا حاجة إليه وقوله من اجتماعهما الضمير للقوّتين أو للماء والتراب ، والصنائع جمع صناعة أو صنيعة بمعنى نعمة ، والسكون بمعنى الاستئناس والاطمئنان وعظيم قدرته وقع في نسخة بدله عظم قدرته بصيغة المصدر مثل كبر لفظا ومعنى ، والعبر جمع عبرة كسدرة وسدر الاعتبار والاتعاظ ، وقوله وهو سبحانه وتعالى قادر الخ تطبيق لما قالوه على قانون الشرع فإنّ الحكماء لا ينكرون أنه قادر على خلقها ابتداء من غير أسباب ومواد كما ابتدأ خلق الأسباب والموادّ وأبرزها من بطون العدم إلى ظهور الوجود لكن جرت حكمته بعقد الأمور بأسبابها الأقرب إلى العقول لأنه أدلّ على قوّة قدرته ووفور حكمته لما فيه من خلق الأسباب مستعدّة لما أفاضه عليها من التأثير وأدلّ على عظمته من خلقها دفعة بغير أسباب ، وفي رسائل إخوان الصفاء في النبات حكم وصنائع ظاهرة جليلة لا تخفى ولكن صنائعها مختفية محتجبة وهي التي تسميها الفلاسفة القوى الطبيعية ويسميها أهل الشرع ملائكة وجنود اللّه الموكلين بتربية النبات والمعنى واحد وإنما نسبت هذه المصنوعات إلى القوى والملائكة دون اللّه لأنه جلت عظمته عن مباشرة الأجسام والحركات الجزئية كما تجل الملوك والرؤساء عن مباشرة الأفعال وإن كانت منسوبة إليهم لأنها بأمرهم وإرادتهم كما قال تعالى :وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ[ سورة الأنفال ، الآية : 17 ] ومن لم يفهم سره قال إنشاؤها دفعة أدلّ على القدرة وأغرب منه قوله أنّ المصنف إن أراد بالقوّة الفاعلة المؤثر الحقيقيّ كان خلاف مذهب أهل السنة وإلا لم يصح قوله يتولد الخ وقصر السببية على الماء والتراب لأنّ بهما القوام وهما أعظم الأجزاء المادية ، ولذا قال خلقه من تراب ومن الماء كل شيء حيّ فسقط ما قيل من أنّ في هذا الاقتصار قصورا ، لأنها من العناصر الأربعة . قوله : ( ومن الأولى للابتداء الخ ) السماء من