وبمعنى أوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد كقوله تعالى :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[ سورة الأنعام ، الآية : 1 ] وبمعنى صير فيتعدّى إلى مفعولين كقوله تعالى :
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
[ سورة البقرة ، الآية : 22 ] والتصيير يكون بالفعل تارة وبالقول والعقد أخرى ومعنى جعلها فراشا أن جعل بعض جوانبها بارزا عن الماء مع ما في طبعه من الإحاطة بها وصيرها
شرح
صيرت فلا تفتقر إلى فعل ومرتعها قريب جملة في موضع المفعول الثاني وذكر مسألة الشلويين ويؤيده أنه روي بنصب قلوص والقلوص الفتية من الإبل أوّل ما تركب والأكوار جمع كور بالضم والراء المهملة قبلها واو ساكنة الرحل بأداته كما قاله المرزوقي وغيره فمن قال إنه بالفتح بمعنى جماعة كثيرة من الإبل لم يصب رواية ودراية ، ومرتعها مرعاها وقربه لإعيائها لا لكثرة الخصب كما توهم لأنّ الأوّل هو المروي ويعينه قوله اللغوب في البيت الذي يليه ، فقد عرفت أنّ قلوص في البيت يرفع وينصب وأنه يصح أن يقال بني وابني كما في شرح شواهد المغني وغيره ، وقوله بمعنى صار معنى مستقل غير معنى طفق فمن قال ضم صار إلى طفق مع أنّ صار ليس من أفعال المقاربة إشارة إلى ما ذكره بعض المحققين من أن طفق ونحوها ليس من أفعال المقاربة الموضوعة لدنو الخبر بل موضوعة لشروع فاعله في معنى الخبر فقد خلط وخبط خبط عشواء ، واعلم أنّ قول المصنف أو مبتدأ مما سبقه إليه بعض المعربين فذكره المصنف رحمه اللّه تكميلا للوجوه ولا ينافيه أن يكون فيه ضعف من جهة ما ولا وجه للتشنيع عليه تبعا لبعض أرباب الحواشي ، بقوله إنه أخطأ حيث توهم أن قوله في الكشاف رفع على الابتداء معناه أنه مبتدأ أو مراده أنه خبر ، وإنما عبر به لأن العامل في الخبر عنده الابتداء وأورد عليه أنّ الفاء في الخبر تدلّ على السببية والصفات المذكورة ليست مقتضية لنفي الإشراك وأطال بغير طائل مما تركه خير منه لكنا نبهناك عليه لئلا يظنّ بعض العقول القاصرة في سرابه ماء فتدبر . قوله : ( وبمعنى صير فيتعدّى الخ ) التصيير هو انتقال الشيء من حال إلى حال وخلع المادّة صورة ولبس أخرى وهذا هو الذي يكون بالفعل نحو صيرت الحديد سيفا والسبيكة سوارا وقد يكون بالقول كالتسمية في جعلوا الملائكة إناثا وقد يكون بالعقد أي بتصميم الحكم نحو جاعلوه من المرسلين وجمع المصنف رحمه اللّه بين القول والعقد لتقاربهما وتلازمهما غالبا وعدم التأثر الحسيّ فيهما ومنه الانتقال إلى حال شرعيّ كتأثير إحياء الموات في انتقاله إلى الملك وتأثير عقد النكاح ، وقيل المراد بالعقد الاعتقاد فإن من يعتقد في شيء أمرا انتقل إليه في اعتقاده ، وقيل المراد بالعقد العقد الشرعي المحتوي على الإيجاب والقبول وليس بشيء ، وكون قوله تعالى :جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاًمما تعدّى لمفعولين هو الظاهر وقد جوّز أنّ الجعل فيها بمعنى الإيجاد متعدّ لواحد وفراشا حال كما مرّ . قوله : ( ومعنى جعلها فراشا الخ ) الفراش معروف وما ذكره المصنف رحمه اللّه ملخص من قول الإمام أنّ مقتضى طبع الأرض أن يكون الماء محيط بأعلاها لثقلها ولو كانت كذلك لما كانت فراشا فأخرج اللّه بعضها ، ومن الناس من زعم أنّ كونها فراشا ينافي كونها كرية كما هو مبرهن في علم الهيئة وليس بشيء لأنّ الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها كالسطح في افتراشه ، وقول المصنف رحمه اللّه من الإحاطة