تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد كمقابلة الظالم المعتدي بفعله ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر عليه السلام الغلام وخرقه السفينة ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حسا ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله باللّه سبحانه وتعالى وقله تدبره في عجائب صنعه فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر من الخل ويجذب الحديد لم يمتنع أن يخلق اللّه حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض أو لجذب الهواء من الجانب ويصيره ماء بقوّة التبريد ونحو ذلك
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
يريد به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى وبوحدته أنه لا يختلف ولا يتبدّل كقولهم طعام مائدة الأمير واحد يريدون أنه لا تتغير ألوانه ولذلك أجموا أو ضرب واحد
شرح
رزقهم محذوف أي منه أو به كذا قال المحقق وقيل : عليه أنه مما يقضي منه العجب لأنه إنما يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز لو قيل : كلوا واشربوا من الماء وأريد به الماء وما ينبت منه أما إذا قيل : رزق اللّه وأريد به فردان أحدهما الماء والآخر ما ينبت منه فأين هذا من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهذا وهم منه فإنّ من فسر رزق اللّه بالماء وجعل الإضافة للعهد لا يكون عنده شاملا لهما بل مخصوص بأحد فردين ولو كان عبارة عنهما لزم الجمع أيضا إذ لا يصح تعلقه بكلوا إلا بملاحظة شموله للشرب فيعود المحذور وليس هذا من التنازع على تقدير متعلق الآخر كما توهم لأنّ المقدر ليس هو عين المذكور فتأمّل . قوله : ( لا تعتدوا حال إفسادكم الخ ) قال الراغب : العثى والعيث يتقاربان نحو جبذ وجذب إلا أن العيث أكثر ما يقال : في الفساد الذي يدرك حسا والعثى فيما يدرك حكما ونقل عن بعض المحققين إنّ العثو إنما هو الاعتداء وقد يكون منه ما ليس بفساد فالحال غير مؤكدة ، والزمخشريّ لما فسر العثو بأشد الفساد حمل النهي على النهي عن التمادي في الفساد ولما كانوا على التمادي في الفساد نهوا عما كانوا عليه كقوله تعالى :لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً[ سورة آل عمران ، الآية : 130 ] فالحال مؤكدة ، وقيل : المعنى أطلب منكم أن لا تتمادوا في حال إفسادكم فليست الحال مؤكدة كما توهم وقيل : عليه إنّ التمادي في الفساد لا يكون إلا في حال الفساد فليست الحال مؤكدة إلا أن يقال مراده جعل مفسدين بمعنى متمادين في الفساد لا تعثوا بمعنى تتمادوا وأما قوله : وإنما قيده الخ فقال الطيبي رحمه اللّه : إنّ المقام ناب عنه لأنّ الآية واردة في قوم مخصوصين ، وفيه نظر . قوله : ( لما أمكن أن يكون من الأحجار الخ ) أراد بما يحلق الشعر النورة وفي كتاب الأحجار أنه حجر خفيف يحلق الشعر وينتفه وبما ينفر من الخل وفي نسخة عن وهو الحجر الباعض الذي يعدل عنه لمعنى فيه بالخاصية وبما يجذب الحديد المغناطيس ، وقوله : لم يمتنع أن يخلق اللّه حجرا الخ مبنيّ على كون الحجر معينا وإلا ينبغي أن يقول أن يخلق اللّه في طبيعة أيّ حجر كان وجذبه لما تحت الأرض لا ينافيه انفصاله عنها كما توهم وأورد عليه أن اختلاف حاله بحسب الأوقات وتوقفه على الضرب ونحوه يقتضي خلاف هذا وإن فتح هذا الباب لتوجيه الخوارق سدّ لباب المعجزات . قوله : ( وبوحدته أنه لا يختلف ) أي يريد بوحدته ذلك لأنه
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 266 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي