اللّه سبحانه وتعالى فيه فأرسل اللّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارون فكشفت السحابة ونزلت التوبة وكانت القتلى سبعين ألفا والفاء الأولى للتسبيب والثانية للتعقيب
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ
من حيث إنه طهرة من الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية
فَتابَ عَلَيْكُمْ
متعلق بمحذوف إن جعلته من كلام موسى عليه الصلاة والسلام لهم تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم وعطف على محذوف إن جعلته خطابا من اللّه تعالى لهم على طريق الالتفات كأنه قال ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم وذكر البارىء وترتيب الأمر عليه اشعار بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة وحتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة وإن من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن يستردّ منه ولذلك أمروا بالقتل وفك التركيب
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
الذي يكثر توفيق التوبة أو قبولها من المذنبين
شرح
السحابة ولا يتباصرون من البصر بمعنى الرؤية ونزلت التوبة أي أوحى إليه بقبولها . قوله :
( للتسبيب الخ ) في الكشاف الفاء الأولى للتسبيب لا غير قال الطيبي : يعني الفاء للتسبيب لا للعطف التعقيبي كقولهم الذي يطير الذباب فيغضب عمرو وقال : العلامة منهم من تخيل من قوله لا غير أنها ليست للعطف وليس كذلك بل هي لهما معا والمعطوف عليه أنكم ظلمتم الخ وكان المصنف تركه لهذا ، وقيل : إن المانع من العطف لزوم عطف الإنشاء على الخبر وكون الثانية للتعقيب مر وجهه . قوله : ( فتاب عليكم متعلق بمحذوف الخ ) يعني أنّ الفاء هنا فصيحة وهي إما جواب شرط مقدر أو عاطفة على مقدر وسميت فصيحة لإفصاحها عن المحذوف أو لكون قائلها فصيحا وعلى تقدير كونه من كلام موسى عليه الصلاة والسلام لا التفات فيه وقدر قد في جواب الشرط كما هو القاعدة فيه إذا اقترن بالفاء وإن جعلت دعائية لا حاجة إلى تقديرها . قوله : ( وعطف على محذوف الخ ) إنما كان التفاتا للتعبير عنهم بالقوم في كلام موسى صلى اللّه عليه وسلم وهو من قبيل الغيبة وإنما ذكر لفظ البارئ في التقدير الثاني دون الأوّل للإشارة إلى أنّ الضمير راجع إليه بخصوصه لدخله في التوبيخ وكان الظاهر إليّ ولا كذلك في الشرط لأنه عائد إليه إذ هو من كلام موسى عليه الصلاة والسلام ولما لم يكن المعطوف عليه مذكورا جعل الالتفات في المعطوف لظهوره فلا يرد عليه أنّ الالتفات ليس فيه بل في المعطوف كما يقتضيه قواعد المعاني مع أنه قال بعيده إن الالتفات في المقدّر لا وجه له وهذا مع وضوحه خفيّ على من قال إنّ المراد الالتفات من التكلم إلى الغيبة في فتاب حيث لم يقل فتبنا وقد قيل : على الأوّل إن حذف الجواب وفعل الشرط ، وحده مع لا وارد في كلام العرب وأما حذف الأداة والشرط وإبقاء الجواب فلا ويردّه أنّ أبا عليّ الفارسيّ رحمه اللّه ذكره في الحجة في تفسير قوله تعالى :فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ[ سورة المائدة ، الآية : 106 ] والزمخشريّ ثقة فلا عبرة بمن أنكره ، وقوله : وذكر البارئ الخ هو محصل ما مر عن الكشاف وقوله مثل في الغباوة لأنّ من أمثال العرب أبلد من ثور وفك التركيب يعني البنية الإنسانية بالقتل عوقبوا بذلك لجهلهم بما فيها من