بصور وهيئات مختلفة وأصل التركيب لخلوص الشيء عن غيره إما على سبيل التفصي كقولهم برئ المريض من مرضه والمديون من دينه أو الانشاء كقولهم برأ اللّه آدم من الطين أو فتوبوا
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
تماما لتوبتكم بالنجع أو قطع الشهوات كما قيل : من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها وقيل : أمروا أن يقتل بعضهم بعضا وقيل : أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة روي إن الرجل كان يرى بعضه وقريبه فلم يقدر المضي لأمر
شرح
[ سورة الكهف ، الآية : 77 ] وتخذ يتعدى لواحد وقد يتعدى الاثنين . قوله : ( فاعزموا على التوبة الرجوع الخ ) توبة بني إسرائيل إما أن تكون الرجوع والقتل مغاير لها فالعطف بالفاء ظاهر وإما أن تكون الرجوع والقتل متمم لها وحينئذ لا إشكال أيضا إلا أنه قيل : إنه مجاز لإطلاق التوبة على جزئها ، كما أنها في الأوّل مجاز وإما أن تكون جعلت لهم عين القتل فيؤوّل توبوا باعزموا ليصح التفريع ومنهم من جعله تفسيرا ، وهو قد يعطف بالفاء . قوله : ( بريئا من التفاوت ) يشير إلى أنّ البارئ أخص من الخالق كما في هو اللّه الخالق البارئ المصوّر وفي الكشاف البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوتما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ[ سورة الملك ، الآية :
3 ] ومتميزا بعضه من بعض بالإشكال المختلفة والصور المتباينة فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الإشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة والبلادة في أمثال العرب أبلد من ثور حتى عرضوا أنفسهم لسخط اللّه ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة ، وقال الطيبي : معنى التفاوت عدم التناسب فكان بعضه يفوت بعضا ولا يلائمه ومعنى التمييز التفريق فاليد متميزة عن الرجل لكن ملائمة لها من حيث الصغر والكبر والغلظ والدقة كقوله :أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ[ سورة طه ، الآية : 50 ] انتهى . فالتمييز بين الأعضاء بعضها من بعض فمن قال إنّ قوله مميزا بعضها في أكثر النسخ ولا يخفى ما فيه والأولى ما في بعض النسخ بعضكم لم يأت بشيء وإنما قال لقومه مع قوله يا قوم لدفع احتمال أن يكون ناداهم بذلك استعطافا لهم وإن كانوا أجانب وظلمهم أنفسهم بتنقيص مالهم عند اللّه وضررهم وأصل التركيب للخلوص ويلزمه التمييز المذكور ، وقوله : أو فتوبوا الخ إشارة إلى الوجه الآخر ، وقوله : بالبخع بالموحدة التحتية والخاء المعجمة والعين المهملة ، وهو قتل الإنسان نفسه وفي الأساس بخع الشاة بلغ بذبحها القفا ومن المجاز بخعه الوجد إذا بلغ منه المجهود وعلى هذا فالقتل حقيقة والمراد أن يقتل كل أحد نفسه وقتل الإنسان نفسه وإن كان ليس جائزا في شرعنا لنهينا عنه فإذا كان يأمره الآخرين لا مانع منه وعلى الأخير بعضهم يقتل بعضا وعلى ما بعده مجاز وهو ظاهر لكن قال بعضهم : إنه تفسير لبعض أرباب الخواطر ولا يجوز أن يفسر به هنا لأنّ المراد هنا القتل الحقيقي بالاتفاق والعبدة كالكتبة جمع عابد .
قوله : ( روي أنّ الرجل الخ ) المراد ببعضه ولده وولد ولده لأنه كالجزء منه وقريبه بالباء الموحدة ظاهر وفي نسخة قرينه بالنون أي صديقه وقوله : فلم يقدر المضيّ أي عليه والضبابة شبه